تفسير الميزان ج۳
149التفرق و الشقاق فيه، و جعله هو الأصل، فقال تعالى: {و أنّ هذا صِراطِي مُسْتقِيماً فاتّبِعُوهُ و لا تتّبِعُوا السُّبُل فتفرّق بِكُمْ عنْ سبِيلِهِ} الأنعام - ١٥٣، و قال تعالى: {قُلْ يا أهْل الْكِتابِ تعالوْا إِلى كلِمةٍ سواءٍ بيْننا و بيْنكُمْ ألاّ نعْبُد إِلاّ اللّه و لا نُشْرِك بِهِ شيْئاً و لا يتّخِذ بعْضُنا بعْضاً أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فإِنْ تولّوْا فقُولُوا اِشْهدُوا بِأنّا مُسْلِمُون} آل عمران - ٦٤، فالقرآن - كما ترى - لا يدعو الناس إلا إلى التسليم لله وحده و يعتبر من المجتمع المجتمع الديني، و يدحض ما دون ذلك من عبادة الأنداد، و الخضوع لكل قصر مشيد، و منتدى رفيع و ملك قيصري و كسروي و التفرق بإفراز الحدود و تفريق الأوطان و غير ذلك.
(بحث فلسفي)[ في استناد الملك و سائر الأمور الاعتبارية إليه تعالى]
لا ريب أن الواجب تعالى هو الذي تنتهي إليه سلسلة العلية في العالم، و إن الرابطة بينه و بين العالم جزءا و كلا هي رابطة العلية، و قد تبين في أبحاث العلة و المعلول أن العلية إنما هي في الوجود بمعنى أن الوجود الحقيقي في المعلول هو المترشح من وجود علته، و أما غيره كالماهية فهو بمعزل عن الترشح و الصدور و الافتقار إلى العلة، و ينعكس بعكس النقيض إلى أن ما لا وجود حقيقي له فليس بمعلول و لا منته إلى الواجب تعالى.
و يشكل الأمر في استناد الأمور الاعتبارية المحضة إليه تعالى إذ لا وجود حقيقي لها أصلا، و إنما وجودها و ثبوتها ثبوت اعتباري لا يتعدى ظرف الاعتبار و الوضع و حيطة الفرض، و ما يشتمل عليه الشريعة من الأمر و النهي و الأحكام و الأوضاع كلها أمور اعتبارية فيشكل نسبتها إليه تعالى، و كذا أمثال الملك و العز و الرزق و غير ذلك.
و الذي تحل به العقدة أنها و إن كانت عارية عن الوجود الحقيقي إلا أن لها آثارا هي الحافظة لأسمائها كما مر مرارا، و هذه الآثار أمور حقيقية مقصودة بالاعتبار و لها نسبة إليه تعالى فهذه النسبة هي المصححة لنسبتها فالملك الذي بيننا أهل الاجتماع و إن كان أمرا اعتباريا وضعيا لا نصيب لمعناه من الوجود الحقيقي، و إنما هو

