تفسير الميزان ج۳
141تشريعا، كذلك الرزق الخاص و هو الذي عن مجرى الحل -مقضي مقدر، قال تعالى: {قدْ خسِر الّذِين قتلُوا أوْلادهُمْ سفهاً بِغيْرِ عِلْمٍ و حرّمُوا ما رزقهُمُ اللّهُ اِفْتِراءً على اللّهِ قدْ ضلُّوا و ما كانُوا مُهْتدِين} الأنعام - ١٤٠، و قال تعالى {و اللّهُ فضّل بعْضكُمْ على بعْضٍ فِي الرِّزْقِ فما الّذِين فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ على ما ملكتْ أيْمانُهُمْ فهُمْ فِيهِ سواءٌ} النحل - ٧١، و الآيتان كما ترى ذواتا إطلاق قطعي يشمل الكافر و المؤمن و من يرتزق بالحلال و من يرتزق بالحرام.
و من الواجب أن يعلم: أن الرزق كما مر من معناه هو الذي ينتفع به من العطية على قدر ما ينتفع فمن أوتي الكثير من المال و هو لا يأكل إلا القليل منه فإنما رزقه هو الذي أكله و الزائد الباقي ليس من الرزق إلا من جهة الإيتاء دون الأكل فسعة الرزق و ضيقه غير كثرة المال مثلا و قلته، و للكلام في الرزق تتمة ستمر بك في قوله تعالى: {و ما مِنْ دابّةٍ فِي الْأرْضِ إِلاّ على اللّهِ رِزْقُها و يعْلمُ مُسْتقرّها و مُسْتوْدعها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ} هود - ٦.
و لنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: {و ترْزُقُ منْ تشاءُ بِغيْرِ حِسابٍ} فنقول توصيف الرزق بكونه بغير حساب إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض و لا استحقاق لكون ما عندهم من استدعاء أو طلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا فلا يقابل عطيته منهم شيء فلا حساب لرزقه تعالى.
و أما كون نفي الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود و لا مقدر فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى: {إِنّا كُلّ شيْءٍ خلقْناهُ بِقدرٍ} القمر - ٤٩، و قوله: {و منْ يتّقِ اللّه يجْعلْ لهُ مخْرجاً و يرْزُقْهُ مِنْ حيْثُ لا يحْتسِبُ و منْ يتوكّلْ على اللّهِ فهُو حسْبُهُ إِنّ اللّه بالِغُ أمْرِهِ قدْ جعل اللّهُ لِكُلِّ شيْءٍ قدْراً} الطلاق - ٣، فالرزق منه تعالى عطية بلا عوض لكنه مقدر على ما يريده تعالى.
و قد تحصل من الآيتين أولا: أن الملك (بضم الميم) كله لله كما أن الملك (بكسر الميم) كله لله.
و ثانيا: أن الخير كله بيده و منه تعالى.
و ثالثا: أن الرزق عطية منه تعالى بلا عوض و استحقاق.

