تفسير الميزان ج۳
140و أما الخلق و الإيجاد فلا يحتاج من حيث تحقق معناه إلى شيء ثابت أو مفروض فالغذاء مثلا مخلوق موجد في نفسه، و كذا القوة الغاذية مخلوقة، و الإنسان مخلوق.
و لما كان كل رزق لله، و كل خير لله محضا فما يعطيه تعالى من عطية، و ما أفاضه من خير و ما يرزقه من رزق فهو واقع من غير عوض، و بلا شيء مأخوذ في مقابله إذ كل ما فرضنا من شيء فهو له تعالى حقا، و لا استحقاق هناك إذ لا حق لأحد عليه تعالى إلا ما جعل هو على نفسه من الحق كما جعله في مورد الرزق، قال تعالى: {و ما مِنْ دابّةٍ فِي الْأرْضِ إِلاّ على اللّهِ رِزْقُها} هود - ٦، و قال: {فو ربِّ السّماءِ و الْأرْضِ إِنّهُ لحقٌّ مِثْل ما أنّكُمْ تنْطِقُون} الذاريات - ٢٣.
فالرزق مع كونه حقا على الله لكونه حقا مجعولا من قبله عطية منه من غير استحقاق للمرزوق من جهة نفسه بل من جهة ما جعله على نفسه من الحق.
و من هنا يظهر أن للإنسان المرتزق بالمحرمات رزقا مقدرا من الحلال بنظر التشريع فإن ساحته تعالى منزهة من أن يجعل رزق إنسان حقا ثابتا على نفسه ثم يرزقه من وجه الحرام ثم ينهاه عن التصرف فيه و يعاقبه عليه.
و توضيحه ببيان آخر أن الرزق لما كان هو العطية الإلهية بالخير كان هو الرحمة التي له على خلقه، و كما أن الرحمة رحمتان: رحمة عامة تشمل جميع الخلق من مؤمن و كافر، و متق و فاجر، و إنسان و غير إنسان، و رحمة خاصة و هي الرحمة الواقعة في طريق السعادة كالإيمان و التقوى و الجنة، كذلك الرزق منه ما هو رزق عام، و هو العطية الإلهية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده، و منه ما هو رزق خاص، و هو الواقع في مجرى الحل.
و كما أن الرحمة العامة و الرزق العام مكتوبان مقدران، قال تعالى: {و خلق كُلّ شيْءٍ فقدّرهُ تقْدِيراً} الفرقان - ٢، كذلك الرحمة الخاصة و الرزق الخاص مكتوبان مقدران، و كما أن الهدى - و هو رحمة خاصة - مكتوب مقدر تقديرا تشريعيا لكل إنسان مؤمنا كان أو كافرا، و لذلك أرسل الرسل و أنزل الكتب، قال تعالى: {و ما خلقْتُ الْجِنّ و الْإِنْس إِلاّ لِيعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ و ما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ إِنّ اللّه هُو الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمتِينُ} الذاريات - ٥٨، و قال تعالى: {و قضى ربُّك ألاّ تعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ} الإسراء - ٢٣، فالعبادة و هي تستلزم الهدى و تتوقف عليه مقضية مقدرة

