تفسير الميزان ج۳
139ذلك امتحانا و إتماما للحجة و خذلانا و استدراجا و نحو ذلك و هذا كله نسب تشريعية، و إذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح فصحة النسبة التكوينية التي لا مجال للحسن و القبح العقلائيين فيها أوضح.
ثم إنه تعالى ذكر أن كل شيء فهو مخلوق له منزل من عنده من خزائن رحمته كما قال: {و إِنْ مِنْ شيْءٍ إِلاّ عِنْدنا خزائِنُهُ و ما نُنزِّلُهُ إِلاّ بِقدرٍ معْلُومٍ} الحجر - ٢١، و ذكر أيضا أن ما عنده فهو خير. قال تعالى: {و ما عِنْد اللّهِ خيْرٌ} القصص - ٦٠، و انضمام الآيتين و ما في معناهما من الآيات يعطي أن كل ما يناله شيء في العالم و يتلبس به مدى وجوده فهو من الله سبحانه و هو خير له ينتفع به و يتنعم بسببه كما يفيده أيضا قوله تعالى: {الّذِي أحْسن كُلّ شيْءٍ خلقهُ} الم السجدة - ٧، مع قوله تعالى: {ذلِكُمُ اللّهُ ربُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شيْءٍ لا إِله إِلاّ هُو} المؤمن - ٦٤.
و أما كون بعض ما ينال الأشياء من المواهب الإلهية شرا يستضر به فإنما شريته و إضراره نسبي متحقق بالنسبة إلى ما يصيبه خاصة مع كونه خيرا نافعا بالنسبة إلى آخرين و بالنسبة إلى علله و أسبابه في نظام الكون كما مر يشير إليه قوله تعالى: {و ما أصابك مِنْ سيِّئةٍ فمِنْ نفْسِك} النساء - ٧٩، و قد مر البحث عن هذا المعنى فيما مر.
و بالجملة جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير و كله خير ينتفع به يكون رزقا بحسب انطباق المعنى إذ ليس الرزق إلا العطية التي ينتفع بها الشيء المرزوق، و ربما أشار إليه قوله تعالى {و رِزْقُ ربِّك خيْرٌ} طه - ١٣١.
و من هنا يظهر أن الرزق و الخير و الخلق بحسب المصداق على ما يبينه القرآن أمور متساوية فكل رزق خير و مخلوق، و كل خلق رزق و خير، و إنما الفرق: أن الرزق يحتاج إلى فرض مرزوق يرتزق به فالغذاء رزق للقوة الغاذية لاحتياجها إليه، و الغاذية رزق للواحد من الإنسان لاحتياجه إليها، و الواحد من الإنسان رزق لوالديه لانتفاعهما به، و كذا وجود الإنسان خير للإنسان بفرضه عاريا عن هذه النعمة الإلهية، قال تعالى: {الّذِي أعْطى كُلّ شيْءٍ خلْقهُ} طه - ٥٠.
و الخير يحتاج إلى فرض محتاج طالب يختار من بين ما يواجهه ما هو مطلوبه فالغذاء خير للقوة الغاذية بفرضها محتاجة إليه طالبة له تنتخبه و تختاره إذا أصابته، و القوة الغاذية خير للإنسان، و وجود الإنسان خير له بفرضه محتاجا طالبا.

