تفسير الميزان ج۳
138بيِّنةٍ مِنْ ربِّي و رزقنِي مِنْهُ رِزْقاً حسناً} هود - ٨٨، و المراد به النبوة و العلم، إلى غير ذلك من الآيات.
و المتحصل من قوله تعالى: {إِنّ اللّه هُو الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمتِينُ} الذاريات - ٥٨، و المقام مقام الحصر، أولا: أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدقه أمثال قوله تعالى: {و اللّهُ خيْرُ الرّازِقِين} الجمعة - ١١، حيث أثبت رازقين و عده تعالى خيرهم، و قوله: {و اُرْزُقُوهُمْ فِيها و اُكْسُوهُمْ} النساء - ٥، كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن الملك و العزة لله تعالى لذاته و لغيره بإعطائه و إذنه فهو الرزاق لا غير.
و ثانيا: أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم و الله رازقه، و يدل على ذلك - مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها - آيات كثيرة أخر كالآيات الدالة على أن الخلق و الأمر و الحكم و الملك (بكسر الميم) و المشية و التدبير و الخير لله محضا عز سلطانه.
و ثالثا: أن ما ينتفع به الإنسان انتفاعا محرما لكونه سببا للمعصية لا ينسب إليه تعالى لأنه تعالى نفى نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع. قال تعالى: {قُلْ إِنّ اللّه لا يأْمُرُ بِالْفحْشاءِ أ تقُولُون على اللّهِ ما لا تعْلمُون} الأعراف - ٢٨، و قال تعالى: {إِنّ اللّه يأْمُرُ بِالْعدْلِ و الْإِحْسانِ} إلى أن قال: {و ينْهى عنِ الْفحْشاءِ و الْمُنْكرِ} النحل - ٩٠ و حاشاه سبحانه أن ينهى عن شيء ثم يأمر به أو ينهى عنه ثم يحصر رزقه فيه.
و لا منافاة بين عدم كون نفع محرم رزقا بحسب التشريع و كونه رزقا بحسب التكوين إذ لا تكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحا، و ما بينه القرآن من عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين، و ليس البيان الإلهي بموقوف على الأفهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحا عن التعرض للمعارف الحقيقية، و في القرآن شفاء لجميع القلوب لا يستضر به إلا الخاسرون. قال تعالى: {و نُنزِّلُ مِن الْقُرْآنِ ما هُو شِفاءٌ و رحْمةٌ لِلْمُؤْمِنِين و لا يزِيدُ الظّالِمِين إِلاّ خساراً} الإسراء - ٨٢.
على أن الآيات تنسب الملك الذي لأمثال نمرود و فرعون و الأموال و الزخارف التي بيد أمثال قارون إلى إيتاء الله سبحانه فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله آتاهم

