تفسير الميزان ج۳
136قوله تعالى: {و تُخْرِجُ الْحيّ مِن الْميِّتِ و تُخْرِجُ الْميِّت مِن الْحيِّ}، و ذلك إخراج المؤمن من صلب الكافر، و إخراج الكافر من صلب المؤمن فإنه تعالى سمى الإيمان حيوة و نورا و الكفر موتا و ظلمة كما قال تعالى: {أ و منْ كان ميْتاً فأحْييْناهُ و جعلْنا لهُ نُوراً يمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كمنْ مثلُهُ فِي الظُّلُماتِ ليْس بِخارِجٍ مِنْها} الأنعام - ١٢٢، و يمكن أن يراد الأعم من ذلك و من خلق الأحياء كالنبات و الحيوان من الأرض العديمة الشعور و إعادة الأحياء إلى الأرض بإماتتها فإن كلامه تعالى كالصريح في أنه يبدل الميت إلى الحي و الحي إلى الميت، قال تعالى: {ثُمّ أنْشأْناهُ خلْقاً آخر فتبارك اللّهُ أحْسنُ الْخالِقِين ثُمّ إِنّكُمْ بعْد ذلِك لميِّتُون} المؤمنون - ١٥، إلى غيرها من الآيات.
و أما ما ذهب إليه بعض علماء الطبيعة: أن الحيوة التي تنتهي إلى جراثيمها تسلك فيها سلوكا من جرثومة حية إلى أخرى مثلها من غير أن تنتهي إلى المادة الفاقدة للشعور، و ذلك لإنكاره الكون الحادث، فيبطله الموت المحسوس الذي تثبته التجربة في جراثيم الحيوة فتبدل الحيوة إلى الموت يكشف عن الربط بينهما، و لبقية الكلام مقام آخر.
و الآية أعني قوله تعالى {تُولِجُ اللّيْل فِي النّهارِ} إلخ، تصف تصرفه تعالى في الملك الحقيقي التكويني كما أن الآية السابقة أعني قوله: {تُؤْتِي الْمُلْك منْ تشاءُ}إلخ، تصف تصرفه في الملك الاعتباري الوضعي و توابعه.
و قد وضع في كل من الآيتين أربعة أنحاء من التصرف بنحو التقابل فوضع في الأولى إيتاء الملك و نزعه و بحذائهما في الثانية إيلاج الليل في النهار و عكسه، و وضع الإعزاز و الإذلال و بحذائهما إخراج الحي من الميت و عكسه، و في ذلك من عجيب اللطف و لطيف المناسبة ما لا يخفى فإن إيتاء الملك نوع تسليط لبعض أفراد الناس على الباقين بإعفاء قدر من حريتهم و إطلاقهم الغريزي و إذهابها كتسليط الليل على النهار بإذهاب الليل بعض ما كان يظهره النهار، و نزع الملك بالعكس من ذلك، و كذا إعطاء العزة نوع إحياء لمن كان خامد الذكر خفي الأثر لولاها، نظير إخراج الحي من الميت، و الإذلال بالعكس من ذلك، و في العزة حيوة و في الذلة ممات.
و هنا وجه آخر: و هو أن الله عد النهار في كلامه آية مبصرة و الليل آية ممحوة قال تعالى: {فمحوْنا آية اللّيْلِ و جعلْنا آية النّهارِ مُبْصِرةً} الإسراء - ١٢، و مظهر

