تفسير الميزان ج۳
135وجدان و حرمان و خير و شر.
و قد ذكر بعض المفسرين: أن في قوله: {بِيدِك الْخيْرُ} إيجازا بالحذف، و التقدير: بيدك الخير و الشر كما قيل نظير ذلك في قوله تعالى: {و جعل لكُمْ سرابِيل تقِيكُمُ الْحرّ} النحل - ٨١، أي و البرد.
و كان السبب في ذلك الفرار عن الاعتزال لقول المعتزلة بعدم استناد الشرور إليه تعالى: و هو من عجيب الاجتراء على كلامه تعالى، و المعتزلة و إن أخطئوا في نفي الانتساب نفيا مطلقا حتى بالواسطة لكنه لا يجوز هذا التقدير الغريب، و قد تقدم البحث عن ذلك و بيان حقيقة الأمر.
قوله تعالى: {إِنّك على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ} في مقام التعليل لكون الخير بيده تعالى فإن القدرة المطلقة على كل شيء توجب أن لا يقدر أحد على شيء إلا بإقداره تعالى إياه على ذلك، و لو قدر أحد على شيء من غير أن تستند قدرته إلى إقداره تعالى كان مقدوره من هذه الجهة خارجا عن سعة قدرته تعالى فلم يكن قديرا على كل شيء، و إذا كانت لقدرته هذه السعة كان كل خير مفروض مقدورا عليه له تعالى، و كان أيضا كل خير إفاضة غيره منسوبا إليه مفاضا عن يديه فهو له أيضا فجنس الخير الذي لا يشذ منه شاذ بيده، و هذا هو الحصر الذي يدل عليه قوله تعالى: {بِيدِك الْخيْرُ}.
قوله تعالى: {تُولِجُ اللّيْل فِي النّهارِ و تُولِجُ النّهار فِي اللّيْلِ}، الولوج هو الدخول، و الظاهر كما ذكروه أن المراد من إيلاج الليل في النهار، و إيلاج النهار في الليل ما هو المشاهد من اختلاف الليل و النهار في عرض السنة بحسب اختلاف عروض البقاع و الأمكنة على بسيط الأرض، و اختلاف ميول الشمس فتأخذ الأيام في الطول و الليالي في القصر و هو ولوج النهار في الليل بعد انتهاء الليالي في الطول من أول الشتاء إلى أول الصيف، ثم يأخذ الليالي في الطول و الأيام في القصر و هو ولوج الليل في النهار بعد انتهاء النهار في الطول من أول الصيف إلى أول الشتاء، كل ذلك في البقاع الشمالية، و الأمر في البقاع الجنوبية على عكس الشمالية منها، فالطول في جانب قصر في الجانب الآخر فهو تعالى يولج الليل في النهار و النهار في الليل دائما، أما الاستواء في خط الإستواء و القطبين فإنما هو بحسب الحس و أما في الحقيقة فحكم التغيير دائم و شامل.

