تفسير الميزان ج۳
132صعوبة كما يقال: يعز علي كذا. قال تعالى: {عزِيزٌ عليْهِ ما عنِتُّمْ} التوبة - ١٢٨، أي صعب عليه. و استعمل في كل غلبة كما يقال. من عز بز أي من غلب سلب، قال تعالى: {و عزّنِي فِي الْخِطابِ} ص- ٢٣، أي غلبني و الأصل في معناه ما مر.
و يقابله الذل و هو سهولة المنال بقهر محقق أو مفروض قال تعالى: {ضُرِبتْ عليْهِمُ الذِّلّةُ و الْمسْكنةُ} البقرة - ٦١، و قال تعالى: {و اِخْفِضْ لهُما جناح الذُّلِّ} الإسراء - ٢٤، و قال تعالى {أذِلّةٍ على الْمُؤْمِنِين} المائدة - ٥٤.
و العزة من لوازم الملك على الإطلاق و كل من سواه إذا تملك شيئا فهو تعالى خوله ذلك و ملكه، و إن ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضا و ما عند غيره منها فإنما هو بإيتائه و إفضاله. قال تعالى: {أ يبْتغُون عِنْدهُمُ الْعِزّة فإِنّ الْعِزّة لِلّهِ جمِيعاً} النساء - ١٣٩ و قال تعالى: {و لِلّهِ الْعِزّةُ و لِرسُولِهِ و لِلْمُؤْمِنِين} المنافقون - ٨ و هذه هي العزة الحقيقية و أما غيرها فإنما هي ذل في صورة عز. قال تعالى: {بلِ الّذِين كفرُوا فِي عِزّةٍ و شِقاقٍ} ص - ٢ و لذا أردفه بقوله: {كمْ أهْلكْنا مِنْ قبْلِهِمْ مِنْ قرْنٍ فنادوْا و لات حِين مناصٍ} ص - ٣.
و للذل بالمقابلة ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه إلا من أعزه الله تعالى: {تُعِزُّ منْ تشاءُ و تُذِلُّ منْ تشاءُ}.
قوله تعالى: {بِيدِك الْخيْرُ إِنّك على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ}، الأصل في معنى الخير هو الانتخاب و إنما نسمي الشيء خيرا لأنا نقيسه إلى شيء آخر نريد أن نختار أحدهما فننتخبه فهو خير و لا نختاره إلا لكونه متضمنا لما نريده و نقصده فما نريده هو الخير بالحقيقة، و إن كنا أردناه أيضا لشيء آخر فذلك الآخر هو الخير بالحقيقة، و غيره خير من جهته، فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه يسمى خيرا لكونه هو المطلوب إذا قيس إلى غيره، و هو المنتخب من بين الأشياء إذا أردنا واحدا منها و ترددنا في اختياره من بينها.
فالشيء كما عرفت إنما يسمى خيرا لكونه منتخبا إذا قيس إلى شيء آخر مؤثرا بالنسبة إلى ذلك الآخر ففي معناه نسبة إلى الغير و لذا قيل: إنه صيغة التفضيل و أصله أخير. و ليس بأفعل التفضيل، و إنما يقبل انطباق معنى التفضيل على مورده فيتعلق

