تفسير الميزان ج۳
131و ثانيا: يدل بتقديم لفظ الجلالة على بيان السبب فهو تعالى مالك الملك لأنه الله جلت كبرياؤه و هو ظاهر.
و ثالثا: أن المراد بالملك في الآية الشريفة و الله أعلم ما هو أعم من الحقيقي و الاعتباري فإن ما ذكر من أمره تعالى في الآية الأولى أعني قوله: {تُؤْتِي الْمُلْك منْ تشاءُ و تنْزِعُ الْمُلْك مِمّنْ تشاءُ و تُعِزُّ منْ تشاءُ و تُذِلُّ منْ تشاءُ}، على ما سنوضحه من شئون الملك الاعتباري و ما ذكره في الآية الثانية من شئون الملك الحقيقي فهو مالك الملك مطلقا.
قوله تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْك منْ تشاءُ و تنْزِعُ الْمُلْك مِمّنْ تشاءُ}، الملك بإطلاقه شامل لكل ملك حقا أو باطلا عدلا أو جورا فإن {الْمُلْكِ}(كما تقدم بيانه في قوله: {أنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْك} (الآية) البقرة - ٢٥٨) في نفسه موهبة من مواهب الله و نعمة يصلح لأن يترتب عليه آثار حسنة في المجتمع الإنساني و قد جبل الله النفوس على حبه و الرغبة فيه، و الملك الذي تقلده غير أهله ليس بمذموم من حيث إنه ملك، و إنما المذموم إما تقلد من لا يليق بتقلده كمن تقلده جورا و غصبا، و إما سيرته الخبيثة مع قدرته على حسن السيرة، و يرجع هذا الثاني أيضا بوجه إلى الأول.
و بوجه آخر يكون الملك بالنسبة إلى من هو أهله نعمة من الله سبحانه إليه، و بالنسبة إلى غير أهله نقمة و هو على كل حال منسوب إلى الله سبحانه و فتنة يمتحن به عباده.
و قد تقدم: أن التعليق على المشية في أفعاله تعالى كما في هذه الآية ليس معناه وقوع الفعل جزافا تعالى عن ذلك بل المراد عدم كونه تعالى مجبرا في فعله ملزما عليه فهو تعالى يفعل ما يفعل بمشيته المطلقة من غير أن يجبره أحد أو يكرهه و إن جرى فعله على المصلحة دائما.
قوله تعالى: {و تُعِزُّ منْ تشاءُ و تُذِلُّ منْ تشاءُ}، العز كون الشيء بحيث يصعب مناله، و لذا يقال للشيء النادر الوجود إنه عزيز الوجود أي صعب المنال، و يقال عزيز القوم لمن يصعب قهره و الغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر و الغلبة، و صعب المنال من حيث مقامه فيهم و وجدانه كل ما لهم من غير عكس ثم استعمل في كل

