تفسير الميزان ج۳
130و قال تعالى: {لهُ ما فِي السّماواتِ و ما فِي الْأرْضِ} البقرة - ٢٥٥، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئا فهو قائم الذات به مفتقر الذات إليه لا يستقل دونه فلا يمنعه فيما أراده منها و فيها شيء و هذا هو الملك (بالكسر) كما مر.
و أما أنه مليك على الإطلاق فهو لازم إطلاق كونه مالكا للموجودات فإن الموجودات أنفسها يملك بعضها بعضا كالأسباب حيث تملك مسبباتها، و الأشياء تملك قواها الفعالة، و القوى الفعالة تملك أفعالها كالإنسان يملك أعضاءه و قواه الفعالة من سمع و بصر و غير ذلك، و هي تملك أفعالها، و إذ كان الله سبحانه يملك كل شيء فهو يملك كل من يملك منها شيئا، و يملك ما يملكه، و هذا هو الملك (بالضم) فهو مليك على الإطلاق، قال تعالى: {لهُ الْمُلْكُ و لهُ الْحمْدُ} التغابن - ١، و قال تعالى: {عِنْد ملِيكٍ مُقْتدِرٍ} القمر - ٥٥، إلى غير ذلك من الآيات، هذا هو الحقيقي من الملك و الملك.
و أما الاعتباري منها فإنه تعالى مالك لأنه هو المعطي لكل من يملك شيئا من المال، و لو لم يملك لم يصح منه ذلك و لكان معطيا لما لا يملك لمن لا يملك، قال تعالى: {و آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ} النور - ٣٣.
و هو تعالى مليك يملك ما في أيدي الناس لأنه شارع حاكم يتصرف بحكمه فيما يملكه الناس كما يتصرف الملوك فيما عند رعاياهم من المال، قال تعالى: {قُلْ أعُوذُ بِربِّ النّاسِ ملِكِ النّاسِ} الناس - ٢، و قال تعالى: {و آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سألْتُمُوهُ و إِنْ تعُدُّوا نِعْمت اللّهِ لا تُحْصُوها} إبراهيم - ٣٤، و قال تعالى: {و أنْفِقُوا مِمّا جعلكُمْ مُسْتخْلفِين فِيهِ} الحديد - ٧، و قال تعالى: {و ما لكُمْ ألاّ تُنْفِقُوا فِي سبِيلِ اللّهِ و لِلّهِ مِيراثُ السّماواتِ و الْأرْضِ} الحديد - ١٠، و قال تعالى: {لِمنِ الْمُلْكُ الْيوْم لِلّهِ الْواحِدِ الْقهّارِ} المؤمن - ١٦، فهو تعالى يملك ما في أيدينا قبلنا و يملكه معنا و سيراه بعدنا عز ملكه.
و من التأمل فيما تقدم يظهر أن قوله تعالى: {اللّهُمّ مالِك الْمُلْكِ}، مسوق:
أولا: لبيان ملكه تعالى (بالكسر) لكل ملك (بالضم) و مالكية الملك (بالضم) هو الملك على الملك (بالضم فيهما) فهو ملك الملوك، الذي هو المعطي لكل ملك ملكه كما قال تعالى: {أنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْك} البقرة - ٢٥٨، و قال تعالى: {و آتيْناهُمْ مُلْكاً عظِيماً} النساء - ٥٤.

