تفسير الميزان ج۳
13غيرهما في غيرهم مع كونهم جميعا من نوع واحد هو الإنسان، و بين الفريقين وسائط من أهل الإيمان ممن لم يستكمل التعليم و التربية الإلهيين.
فهذا ما يتحصل من كلامه تعالى في معنى العذاب و كلامه تعالى مع ذلك لا يستنكف عن تسمية الشقاء الجسماني عذابا لكن نهايته أنه عذاب في مرحلة الجسم دون الروح، قال تعالى حكاية عن أيوب (ع): {أنِّي مسّنِي الشّيْطانُ بِنُصْبٍ و عذابٍ} ص - ٤١، و قال تعالى: {و إِذْ أنْجيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعوْن يسُومُونكُمْ سُوء الْعذابِ يُقتِّلُون أبْناءكُمْ و يسْتحْيُون نِساءكُمْ و فِي ذلِكُمْ بلاءٌ مِنْ ربِّكُمْ عظِيمٌ} الأعراف - ١٤١، فسمى ما يصنعون بهم بلاء و امتحانا من الله و عذابا في نفسه لا منه سبحانه.
[بيان]
قوله تعالى: {إِنّ اللّه لا يخْفى عليْهِ شيْءٌ فِي الْأرْضِ و لا فِي السّماءِ} إلخ، قد علل تعالى عذاب الذين كفروا بآياته بأنه عزيز ذو انتقام لكن لما كان هذا التعليل لا يخلو عن حاجة إلى ضميمة تنضم إليه ليتم المطلوب فإن العزيز ذا الانتقام يمكن أن يخفى عليه كفر بعض من كفر بنعمته فلا يبادر بالعذاب و الانتقام، فعقب لذلك الكلام بقوله: {إِنّ اللّه لا يخْفى عليْهِ}، فبين أنه عزيز لا يخفى عليه شيء ظاهر على الحواس و لا غائب عنها، و من الممكن أن يكون المراد مما في الأرض و ما في السماء الأعمال الظاهرة القائمة بالجوارح و الخفية الكامنة في القلوب على حد ما نبهنا عليه في قوله تعالى: {لِلّهِ ما فِي السّماواتِ و ما فِي الْأرْضِ و إِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ} (الآية) البقرة - ٢٨٤.
قوله تعالى: {هُو الّذِي يُصوِّرُكُمْ فِي الْأرْحامِ كيْف يشاءُ}، التصوير إلقاء الصورة على الشيء و الصورة تعم ما له ظل كالتمثال و ما لا ظل له. و الأرحام جمع رحم و هو مستقر الجنين من الإناث.
و هذه الآية في معنى الترقي بالنسبة إلى ما سبقها من الآيتين، فإن محصل الآيتين: أن الله تعالى يعذب الذين كفروا بآياته لأنه العزيز المنتقم العالم بالسر و العلانية فلا يغلب في أمره بل هو الغالب و محصل هذه الآية أن الأمر أعظم من ذلك، و من يكفر بآياته و يخالف عن أمره أذل و أوضع من أن يكفر باستقلال من نفسه و اعتماد على قدرته من غير أن يأذن الله في ذلك فيغلب هو على أمره تعالى، و يبطل النظام الأحسن الذي نظم الله سبحانه عليه الخلقة فتظهر إرادته على إرادة ربه بل الله سبحانه هو أذن

