تفسير الميزان ج۳
129بكسر الميم ما هو حقيقي و هو كون شيء كالإنسان مثلا بحيث يصح له أن يتصرف في شيء أي تصرف أمكن بحسب التكوين و الوجود كما يمكن للإنسان أن يتصرف في باصرته بإعمالها و إهمالها بأي نحو شاء و أراد و كذا في يده بالقبض و البسط، و الأخذ بها و الترك و نحو ذلك و لا محالة بين المالك و ملكه بهذا المعنى رابطة حقيقية غير قابلة التغير يوجب قيام المملوك بالمالك نحو قيام لا يستغني عنه و لا يفارقه إلا بالبطلان كالبصر و اليد إذا فارقا الإنسان و من هذا القبيل ملكه تعالى (بكسر الميم) للعالم و لجميع أجزائه و شئونه على الإطلاق، فله أن يتصرف فيما شاء كيفما شاء.
و من الملك (بكسر الميم) ما هو وضعي اعتباري و هو كون الشيء كالإنسان بحيث يصح له أن يتصرف في شيء كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل الاجتماع لغرض نيل الغايات و الأغراض الاجتماعية، و إنما هو محاذاة منهم لما عرفوه في الوجود من الملك الحقيقي و آثاره فاعتبروا مثله في ظرف اجتماعهم بالوضع و الدعوى لينالوا بذلك من هذه الأعيان و الأمتعة فوائد نظير ما يناله المالك الحقيقي من ملكه الحقيقي التكويني.
و لكون الرابطة بين المالك و المملوك في هذا النوع من الملك بالوضع و الاعتبار نرى ما نرى فيه من جواز التغير و التحول فمن الجائز أن ينتقل هذا النوع من الملك من إنسان إلى آخر بالبيع و الهبة و سائر أسباب النقل.
و أما الملك (بالضم) فهو و إن كان من سنخ الملك (بالكسر) إلا أنه ملك لما يملكه جماعة الناس فإن المليك مالك لما يملكه رعاياه، له أن يتصرف فيما يملكونه من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه، و لا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ملك على ملك، و هو ما نصطلح عليه بالملك الطولي كملك المولى للعبد و ما في يده، و لهذا كان للملك (بالضم) من الأقسام ما ذكرناه للملك (بالكسر).
و الله سبحانه مالك كل شيء ملكا مطلقا أما أنه مالك لكل شيء على الإطلاق فلأن له الربوبية المطلقة و القيمومة المطلقة على كل شيء فإنه خالق كل شيء و إله كل شيء، قال تعالى: {ذلِكُمُ اللّهُ ربُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شيْءٍ لا إِله إِلاّ هُو} المؤمن - ٦٢.

