تفسير الميزان ج۳
124و قوله: {فبشِّرْهُمْ بِعذابٍ ألِيمٍ}، تصريح بشمول الغضب و نزول السخط، و ليس هو العذاب الأخروي فحسب بدليل قوله تعالى عقيب الآية: {أُولئِك الّذِين حبِطتْ أعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا و الْآخِرةِ}إلخ، فهم مبشرون بالعذاب الدنيوي و الأخروي معا، أما الأخروي فأليم عذاب النار، و أما الدنيوي فهو ما لقوه من التقتيل و الإجلاء و ذهاب الأموال و الأنفس، و ما سخط الله عليهم بإلقاء العداوة و البغضاء بينهم إلى يوم القيامة على ما تصرح به آيات الكتاب العزيز.
و في قوله تعالى: {أُولئِك الّذِين حبِطتْ أعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا و الْآخِرةِ و ما لهُمْ مِنْ ناصِرِين}، دلالة أولا: على حبط عمل من قتل رجلا من جهة أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر. و ثانيا على عدم شمول الشفاعة له يوم القيامة لقوله: {و ما لهُمْ مِنْ ناصِرِين}.
قوله تعالى: {أ لمْ تر إِلى الّذِين أُوتُوا نصِيباً مِن الْكِتابِ} إلى آخر الآية يومئ إلى تسجيل البغي على أهل الكتاب حسب ما نسبه الله تعالى إليهم و أنهم يبغون باتخاذ الخلاف و إيجاد اختلاف الكلمة في الدين فإنها إذا دعوا إلى حكم الكتاب كتاب الله بينهم لم يسلموا له و تولوا و أعرضوا عنه و ليس ذلك إلا باغترارهم بقولهم {لنْ تمسّنا} إلخ و بما افتروه على الله في دينهم.
و المراد بالذين أوتوا نصيبا من الكتاب أهل الكتاب و إنما لم يقل: أوتوا الكتاب، و قيل: {أُوتُوا نصِيباً مِن الْكِتابِ} ليدل على أن الذي في أيديهم من الكتاب ليس إلا نصيبا منه دون جميعه لأن تحريفهم له و تغييرهم و تصرفهم في كتاب الله أذهب كثيرا من أجزائه كما يومئ إليه قوله في آخر الآية التالية: {و غرّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يفْترُون}، و كيف كان فالمراد - و الله أعلم - أنهم يتولون عن حكم كتاب الله اعتزازا بما قالوا و اغترارا بما وضعوه من عند أنفسهم و استغناء به عن الكتاب.
قوله تعالى: {ذلِك بِأنّهُمْ قالُوا لنْ تمسّنا النّارُ} إلخ معناه واضح، و اغترارهم بفريتهم التي افترتها أنفسهم مع أن الإنسان لا ينخدع عن نفسه مع العلم بأنها خدعة باطلة إنما هو لكون المغرورين غير المفترين، و على هذا فنسبة الافتراء الذي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين لكونهم أمة واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض.
و إما لأن الاغترار بغرور النفس و الغرور بالفرية الباطلة مع العلمبكونها فرية

