تفسير الميزان ج۳
123لا تكون إلا مراء و لجاجا في البحث.
و ثانيا: على أن الحكم في حق الناس و الأمر مطلقا إلى الله سبحانه، و ليس للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم)إلا أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال تعالى: {ليْس لك مِن الْأمْرِ شيْءٌ} آل عمران - ١٢٨، و قال تعالى: {لسْت عليْهِمْ بِمُصيْطِرٍ} الغاشية - ٢٣.
و ثالثا: على تهديد أهل الكتاب و المشركين فإن ختم الكلام بقوله: {و اللّهُ بصِيرٌ بِالْعِبادِ}، بعد قوله: {فإِنّما عليْك الْبلاغُ} لا يخلو من ذلك و يدل على ذلك ما وقع من التهديد في نظير الآية، و هو قوله تعالى: {قُولُوا آمنّا بِاللّهِ}، إلى أن قال: {و نحْنُ لهُ مُسْلِمُون فإِنْ آمنُوا بِمِثْلِ ما آمنْتُمْ بِهِ فقدِ اِهْتدوْا و إِنْ تولّوْا فإِنّما هُمْ فِي شِقاقٍ فسيكْفِيكهُمُ اللّهُ و هُو السّمِيعُ الْعلِيمُ} البقرة - ١٣٧، تذكر الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الإسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم بما يسلي به النبي و يطيب نفسه، فالآية أعني قوله{ و إِنْ تولّوْا فإِنّما عليْك الْبلاغُ}، كناية عن الأمر بتخلية ما بينهم و بين ربهم، و إرجاع أمرهم إليه، و هو بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم و يسأله لسان استعدادهم.
و من هنا يظهر: أن ما ذكره بعض المفسرين، أن في الآية دليلا على حرية الاعتقاد في أمر الدين و أن لا إكراه فيه ليس بوجيه فإن الآية كما عرفت مسوقة لغير ذلك.
و في قوله: {بصِيرٌ بِالْعِبادِ}، حيث أخذ عنوان العبودية و لم يقل: بصير بهم أو بصير بالناس و نحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماض عليهم فإنهم عباده و مربوبون له أسلموا أو تولوا.
قوله تعالى: {إِنّ الّذِين يكْفُرُون بِآياتِ اللّهِ} إلى آخر الآية، الكلام في الآية و إن كان مسوقا سوق الاستيناف لكنه مع ذلك لا يخلو عن إشعار و بيان للتهديد الذي يشعر به آخر الآية السابقة فإن مضمونها منطبق على أهل الكتاب و خاصة اليهود.
و قوله: {يكْفُرُون}، و {يقْتُلُون}، في موضعين للاستمرار و يدلان على كون الكفر بآيات الله و هو الكفر بعد البيان بغيا، و قتل الأنبياء و هو قتل من غير حق، و قتل الذين يدعون إلى القسط و العدل و ينهون عن الظلم و البغي دأبا و عادة جارية فيما بينهم كما يشتمل عليه تاريخ اليهود، فقد قتلوا جمعا كثيرا و جما غفيرا من أنبيائهم و عبادهم الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر و كذا النصارى جروا مجراهم.

