تفسير الميزان ج۳
12يسمى سعادة الجسم فقط متاعا قليلا لا ينبغي أن يعبأ به قال تعالى: {لا يغُرّنّك تقلُّبُ الّذِين كفرُوا فِي الْبِلادِ متاعٌ قلِيلٌ ثُمّ مأْواهُمْ جهنّمُ و بِئْس الْمِهادُ} آل عمران - ١٩٦ ١٩٧.
و كذا ما فيه شقاء الجسم و الروح معا يعده القرآن عذابا كما يعدونه عذابا لكن وجه النظر مختلف، فإنه عذاب عنده لما فيه من شقاء الروح و عذاب عندهم لما فيه من شقاء الجسم، و ذلك كأنواع العذاب النازلة على الأمم السالفة، قال تعالى: {أ لمْ تر كيْف فعل ربُّك بِعادٍ إِرم ذاتِ الْعِمادِ الّتِي لمْ يُخْلقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ و ثمُود الّذِين جابُوا الصّخْر بِالْوادِ و فِرْعوْن ذِي الْأوْتادِ الّذِين طغوْا فِي الْبِلادِ فأكْثرُوا فِيها الْفساد فصبّ عليْهِمْ ربُّك سوْط عذابٍ إِنّ ربّك لبِالْمِرْصادِ} الفجر - ٦ ١٤.
و السعادة و الشقاوة لذوي الشعور يتقومان بالشعور و الإدراك فإنا لا نعد الأمر اللذيذ الذي نلناه و لم نحس به سعادة لأنفسنا كما لا نعد الأمر المؤلم غير المشعور به شقاء، و من هنا يظهر أن هذا التعليم القرآني الذي يسلك في السعادة و الشقاوة غير مسلك المادة، و الإنسان المولع بالمادة لا بد من أن يستتبع نوع تربية يرى بها الإنسان السعادة الحقيقية التي يشخصها القرآن سعادة و الشقاوة الحقيقية شقاوة، و هو كذلك، فإنه يلقن على أهله: أن لا يتعلق قلوبهم بغير الله، و يروا أن ربهم هو المالك الذي يملك كل شيء فلا يستقل شيء إلا به، و لا يقصد شيء إلا له.
و هذا الإنسان لا يرى لنفسه في الدنيا إلا السعادة بين ما كان فيه سعادة روحه و جسمه، و ما كان فيه سعادة روحه محضا، و أما ما دون ذلك فإنه يراه عذابا و نكالا، و أما الإنسان المتعلق بهوى النفس و مادة الدنيا فإنه و إن كان ربما يرى ما اقتناه من زينة الدنيا سعادة لنفسه و خيرا و لذة فإنه سوف يطلع على خبطه في مشيه، و انقلبت سعادته المظنونة بعينها شقاوة عليه قال تعالى: {فذرْهُمْ يخُوضُوا و يلْعبُوا حتّى يُلاقُوا يوْمهُمُ الّذِي يُوعدُون} المعارج - ٤٢، و قال تعالى: {لقدْ كُنْت فِي غفْلةٍ مِنْ هذا فكشفْنا عنْك غِطاءك فبصرُك الْيوْم حدِيدٌ} ق - ٢٢، و قال تعالى: {فأعْرِضْ عنْ منْ تولّى عنْ ذِكْرِنا و لمْ يُرِدْ إِلاّ الْحياة الدُّنْيا ذلِك مبْلغُهُمْ مِن الْعِلْمِ} النجم - ٣٠، على أنهم لا يصفو لهم عيش إلا و هو منغص بما يربو عليه من الغم و الهم.
و من هنا يظهر: أن الإدراك و الفكر الموجود في أهل الله و خاصة القرآن

