تفسير الميزان ج۳
112للمتقين المدلول عليهم بقوله في الآية السابقة: {لِلّذِين اِتّقوْا}، فوصفهم أنهم يقولون ربنا و فيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية و استرحام منه تعالى فيما يسألونه بقولهم: {إِنّنا آمنّا}، و الجملة ليست في مقام الامتنان عليه تعالى فإن المن منه تعالى بالإيمان كما قال تعالى: {بلِ اللّهُ يمُنُّ عليْكُمْ أنْ هداكُمْ لِلْإِيمانِ} الحجرات - ١٧ بل استنجاز لما وعد الله تعالى عباده أنه يغفر لمن آمن منهم، قال تعالى: {و آمِنُوا بِهِ يغْفِرْ لكُمْ} الأحقاف - ٣١، و لذلك فرعوا عليه قولهم: {فاغْفِرْ لنا ذُنُوبنا}، بفاء التفريع. و في تأكيد قولهم بأن دلالة على صدقهم و ثباتهم في إيمانهم.
و المغفرة للذنوب لا يستلزم التخلص من العذاب بمعنى أن الوقاية من عذاب النار فضل من الله سبحانه بالنسبة إلى من آمن به و عبده من غير استحقاق من العبد يثبت له حقا على الله سبحانه أن يجيره من عذاب النار، أو ينعمه بالجنة فإن الإيمان و الإطاعة أيضا من نعمه و لا يملك غيره تعالى منه شيئا إلا ما جعله على نفسه من حق، و من الحق الذي جعل على نفسه لعباده أن يغفر لهم و يقيهم عذاب النار إن آمنوا به، قال تعالى: {و آمِنُوا بِهِ يغْفِرْ لكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ و يُجِرْكُمْ مِنْ عذابٍ ألِيمٍ} الأحقاف - ٣١.
و ربما استفيد من بعض الآيات أن الوقاية من عذاب النار هو المغفرة و الجنة كقوله تعالى: {هلْ أدُلُّكُمْ على تِجارةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عذابٍ ألِيمٍ تُؤْمِنُون بِاللّهِ و رسُولِهِ و تُجاهِدُون فِي سبِيلِ اللّهِ بِأمْوالِكُمْ و أنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خيْرٌ لكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تعْلمُون يغْفِرْ لكُمْ ذُنُوبكُمْ و يُدْخِلْكُمْ جنّاتٍ تجْرِي مِنْ تحْتِها الْأنْهارُ و مساكِن طيِّبةً فِي جنّاتِ عدْنٍ} الصف - ١٢، فإن في الآيتين الأخيرتين تفصيل لما أجمل في الآية الأولى من قوله: {هلْ أدُلُّكُمْ على تِجارةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عذابٍ ألِيمٍ}، و هذا معنى دقيق سنشرحه في مورد يناسبه إن وفقنا له.
قوله تعالى: {الصّابِرِين و الصّادِقِين} إلى آخر الآية، وصفهم بخمس خصال لا يشذ منها تقوى من متق، فالصبر لسبقه على بقية الخصال و إطلاقه يشمل أقسام الصبر، و هي ثلاث: صبر على الطاعة، و صبر عن المعصية، و صبر عند المصيبة.
و الصدق و إن كان بحسب تحليل حقيقته هو مطابقة ظاهر الإنسان من قول و فعل لباطنه لكنه بهذا المعنى يشتمل جميع الفضائل الباقية كالصبر و القنوت و غيرهما و ليس بمراد فالمراد به (و الله أعلم) الصدق في القول فحسب.
و القنوت هو الخضوع لله سبحانه و يشمل العبادات و أقسام النسك و الإنفاق هو

