تفسير الميزان ج۳
107لجزائه الحسن أو لحكمة كقوله تعالى: {رضِي اللّهُ عنْهُمْ و رضُوا عنْهُ} البينة - ٨، و قوله تعالى: {يا أيّتُها النّفْسُ الْمُطْمئِنّةُ اِرْجِعِي إِلى ربِّكِ راضِيةً مرْضِيّةً} الفجر - ٢٨، و قوله تعالى: {و السّابِقُون الْأوّلُون مِن الْمُهاجِرِين و الْأنْصارِ و الّذِين اِتّبعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رضِي اللّهُ عنْهُمْ و رضُوا عنْهُ و أعدّ لهُمْ جنّاتٍ} (الآية) البراءة - ١٠٠.
و ذكر الرضوان هاهنا أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحيوة الدنيا يدل على أنه نفسه من مشتهيات الإنسان أو يستلزم أمرا هو كذلك عنى بذكره في مقابل الجنات و الأزواج في هذه الآية، و كذا في مقابل الفضل و الرحمة في قوله: {فضْلاً مِنْ ربِّهِمْ و رِضْواناً} المائدة - ٢، و قوله: {و مغْفِرةٌ مِن اللّهِ و رِضْوانٌ} الحديد - ٢٩، و قوله: {بِرحْمةٍ مِنْهُ و رِضْوانٍ} البراءة - ٢١.
و لعل الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية هو التدبر في المعنى الذي ذكرناه و في قوله تعالى: {رضِي اللّهُ عنْهُمْ} الآية و قوله: {راضِيةً مرْضِيّةً} الآية حيث علق رضاه بأنفسهم، و الرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم فيعود المعنى إلى أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيئول إلى معنى قوله: {لهُمْ ما يشاؤُن فِيها} ق - ٣٥، ففي رضوان الله عن الإنسان المشية المطلقة للإنسان.
و من هنا يظهر: أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في الآية السابقة أن الإنسان يحسب أنه لو اقتناها و خاصة القناطير المقنطرة من بينها أفادته إطلاق المشية و أعطته سعة القدرة فله ما يشاء، و عنده ما يريد. و قد اشتبه عليه الأمر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شيء.
قوله تعالى: {و اللّهُ بصِيرٌ بِالْعِبادِ}. لما تحصل من هذه الآية و التي قبلها: أن الله أعد للإنسان في كلتا الدارين (الدنيا و الآخرة) نعما يتنعم بها و مآرب أخرى مما تلتذ به نفسه كالأزواج، و ما يؤكل و يشرب، و الملك و نحوها، و هي متشابهة في الدارين غير أن ما في الدنيا مشترك بين الكافر و المؤمن مبذول لهما معا و ما في الآخرة مختص بالمؤمن لا يشاركه فيها الكفار كان المقام مظنة سؤال الفرق في ذلك، و بلفظ آخر سؤال وجه المصلحة في اختصاص المؤمن بنعم الآخرة أجاب عنه بقوله: {و اللّهُ بصِيرٌ بِالْعِبادِ}، و معناه: أن هذا الفرق الذي فرق الله به بين المؤمن و الكافر ليس مبنيا على العبث و الجزاف

