تفسير الميزان ج۳
106تتعلق الرغبة إليها بالقصد الثاني لا يعد الالتذاذ بها التذاذا شهويا، على أن الآية ليست في مقام حصر الشهوات.
و من هنا يتأيد ما تقدمت الإشارة إليه من أن المراد بحب الشهوات التوغل و الانغمار في حبها (و هو المنسوب إلى الشيطان) دون أصل الحب المودع في الفطرة (و هو المنسوب إلى الله سبحانه).
قوله تعالى: {ذلِك متاعُ الْحياةِ الدُّنْيا}، أي هذه الشهوات أمور يتمتع بها لإقامة هذه الحيوة التي هي أقرب الحياتين منكم (و هما الحيوة الدنيا و الحيوة الأخرى)، و الحيوة الدنيا و كذا المتاع الذي يتمتع به لها أمر فان داثر ليس لها عاقبة باقية صالحة، و صلاح العقبى و حسن المآب إنما هو عند الله سبحانه و هو قوله تعالى: {و اللّهُ عِنْدهُ حُسْنُ الْمآبِ}.
قوله تعالى: {قُلْ أ أُنبِّئُكُمْ بِخيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلّذِين اِتّقوْا عِنْد ربِّهِمْ جنّاتٌ} إلى آخر الآية، الآية مسوقة لبيان قوله: {و اللّهُ عِنْدهُ حُسْنُ الْمآبِ} و قد وضع فيها محل هذه الشهوات الفانية الباطلة أمور هي خير للإنسان لكونها باقية و حسنة حقيقة من غير بطلان، و هي أمور مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الإنسان من خواصها و آثارها غير أنها خالية عن القبح و الفساد غير صارفة للإنسان عن ما هو خير منها، و هي الجنة و مطهرات الأزواج و رضوان الله تعالى.
و قد اختصت الأزواج بالذكر مع كون ذكر الجنة كالمشتمل عليها لكون الوقاع أعظم اللذائذ الجسمية عند الإنسان، و لذلك أيضا قدم ذكر النساء في قوله: {مِن النِّساءِ و الْبنِين و الْقناطِيرِ الْمُقنْطرةِ} إلخ.
و أما الرضوان بكسر الراء و ضمها فهو الرضا و هو أن يلائم الأمر الواقع نفس صاحبه من غير أن يمتنع منه و يدافعه، و يقابله السخط.
و قد تكرر في القرآن ذكر رضى الله سبحانه، و هو منه تعالى كما يتصور بالنسبة إلى فعل عباده في باب الطاعة كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب الطاعة كالأوصاف و الأحوال و غير ذلك إلا أن جل الموارد التي ذكر فيها أو كلها من قبيل الرضا بالطاعة، و لذلك ربما قوبل بينه و بين رضا العبد فرضاه عن عبده لطاعته، و رضى العبد عنه

