تفسير الميزان ج۳
104قلت: بين الآيتين فرق من حيث المقام: فإن المقام فيما نحن فيه: مقام ذم هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها و إلهائها الناس عما لهم عند الله، و حثهم على الإعراض عنها و التوجه إلى ما عند الله سبحانه بخلاف تلك الآية فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان و أنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا و بالاختصاص في الآخرة، و لذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد. و عدت هذه الزينة رزقا طيبا.
و إن قلت: إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات، و من المعلوم أن تزيين الحب للإنسان و جذبه لنفسه و جلبه لقلبه أمر طبيعي و خاصة ذاتية له فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم، و لا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه فهو الفاعل في قوله: زين.
قلت: لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه و يصدهم عن غيره فإن الزينة هي الأمر المطلوب الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن و الجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور و المنتفع من هذا القصد هي المرأة، و بالجملة فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدي إلى التوله فيه و الولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى: {فخلف مِنْ بعْدِهِمْ خلْفٌ أضاعُوا الصّلاة و اِتّبعُوا الشّهواتِ فسوْف يلْقوْن غيًّا} مريم - ٥٩، و يؤيد هذا المعنى ما سيأتي من الكلام في العد الواقع في قوله: {مِن النِّساءِ و الْبنِين و الْقناطِيرِ}، على أن لفظ الشهوات ربما لم يخل عن الدلالة بالشغف و الولوع و إن كان بمعنى المشتهيات.
قوله تعالى: {مِن النِّساءِ و الْبنِين و الْقناطِيرِ الْمُقنْطرةِ مِن الذّهبِ و الْفِضّةِ} إلخ، النساء جمع لا واحد له من لفظه، و البنين جمع ابن و هو ذكور الأولاد بواسطة أو بلا واسطة، و القناطير جمع قنطار و هو ملء مسك ذهبا أو هو المسك المملوء، و المقنطرة اسم مفعول مشتق من القنطار و هو جامد، و هذا من دأبهم يعتبرون في الجوامد شيئا من النسب يكسب بها معنى مصدريا ثم يشتقون منه المشتقات كالباقل و التامر و العطار لبائع البقل و التمر و العطر، و فائدة توصيف الشيء بالوصف المأخوذ من لفظه تثبيت معناه له، و التلميح إلى أنه واجد لمعنى لفظه غير فاقدة كما يقال: دنانير مدنرة و دواوين

