تفسير الميزان ج۲
98لا عزة حقيقية أعطاها الله سبحانه لصاحبها.
و من هنا يظهر أن قوله: {بِالْإِثْمِ} ليس متعلقا بقوله: {أَخَذَتْهُ}، بأن يكون الباء للتعدية، و المعنى حملته العزة على الإثم و رد الأمر بالتقوى، و تجيبه الأمر بما يسوؤه من القول، أو يكون الباء للسببية، و المعنى ظهرت فيه العزة و المناعة بسبب الإثم الذي اكتسبه، و ذلك أن إطلاق العزة على هذه الحالة النفسانية و تسميته بالعزة يستلزم إمضاءها و التصديق منه تعالى بأنها عزة حقيقية و ليست بها، بخلاف ما لو سميت عزة بالإثم.
و أما قوله تعالى: {بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}۱ فليس من قبيل التسمية و الإمضاء لكون العزة نكرة مع تعقيب الآية بقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ} إلخ، فهي هناك عزة صورية غير باقية و لا أصيلة.
قوله تعالى: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَللَّهِ} إلخ، مقابلته مع قوله تعالى: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} إلخ، يفيد أن الوصف مقابل الوصف أي كما أن المراد من قوله: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ}، بيان أن هناك رجلا معتزا بإثمه معجبا بنفسه متظاهرا بالإصلاح مضمرا للنفاق لا يعود منه إلى حال الدين و الإنسانية إلا الفساد و الهلاك كذلك المراد من قوله: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} إلخ، بيان أن هناك رجلا آخر باع نفسه من الله سبحانه لا يريد إلا ما أراده الله تعالى لا هوى له في نفسه و لا اعتزاز له إلا بربه و لا ابتغاء له إلا لمرضاة الله تعالى، فيصلح به أمر الدين و الدنيا، و يحيى به الحق، و يطيب به عيش الإنسانية، و يدر به ضرع الإسلام، و بذلك يظهر ارتباط الذيل بالصدر أعني قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبَادِ}، بما قبله، فإن وجود إنسان هذه صفته من رأفة الله سبحانه بعباده إذ لو لا رجال هذه صفاتهم بين الناس في مقابل رجال آخرين صفتهم ما ذكر من النفاق و الإفساد لانهدمت أركان الدين، و لم تستقر من بناء الصلاح و الرشاد لبنة على لبنة، لكن الله سبحانه لا يزال يزهق ذاك الباطل بهذا الحق و يتدارك إفساد أعدائه بإصلاح أوليائه كما قال تعالى:
{وَ لَوْ لاَ دَفْعُ اَللَّهِ اَلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ}٢ و قال تعالى:
- سورة ص، الآية ٢
- سورة البقرة، الآية ٢٥۱

