تفسير الميزان ج۲
81تعالى: {فَاذْكُرُوا اَللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}، و الناس مطلق، فالمراد به أفراد الإنسان أعم من الكافر الذي لا يذكر إلا آباءه أي لا يبتغي إلا المفاخر الدنيوية و لا يطلب إلا الدنيا و لا شغل له بالآخرة، و من المؤمن الذي لا يريد إلا ما عند الله سبحانه، و لو أراد من الدنيا شيئا لم يرد إلا ما يرتضيه له ربه، و على هذا فالمراد بالقول و الدعاء ما هو سؤال بلسان الحال دون المقال، و يكون معنى الآية أن من الناس من لا يريد إلا الدنيا و لا نصيب له في الآخرة و منهم من لا يريد إلا ما يرتضيه له ربه سواء في الدنيا أو في الآخرة و لهؤلاء نصيب في الآخرة.
و من هنا يظهر: وجه ذكر الحسنة في قول أهل الآخرة دون أهل الدنيا، و ذلك أن من يريد الدنيا لا يقيده بأن يكون حسنا عند الله سبحانه بل الدنيا و ما هو يتمتع به في الحياة الأرضية كلها حسنة عنده موافقة لهوى نفسه، و هذا بخلاف من يريد ما عند الله سبحانه فإن ما في الدنيا و ما في الآخرة ينقسم عنده إلى حسنة و سيئة و لا يريد و لا يسأل ربه إلا الحسنة دون السيئة.
و المقابلة بين قوله: {وَ مَا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، و قوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا}، تعطي أن أعمال الطائفة الأولى باطلة حابطة بخلاف الثانية كما قال تعالى: {وَ قَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}۱، و قال تعالى: {وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ اَلدُّنْيَا وَ اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}٢ و قال تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَزْناً}٣.
قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ}، اسم من أسماء الله الحسنى، و إطلاقه يدل على شموله للدنيا و الآخرة معا، فالحساب جار، كلما عمل عبد شيئا من الحسنات أو غيرها آتاه الله الجزاء جزاء وفاقا.
فالمحصل من معنى قوله: {فَمِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَقُولُ} إلى آخر الآيات، أن اذكروا الله تعالى فإن الناس على طائفتين: منهم من يريد الدنيا فلا يذكر غيرها و لا نصيب له في الآخرة، و منهم من يريد ما عند الله مما يرتضيه له و له نصيب من الآخرة و الله سريع الحساب يسرع في حساب ما يريده عبده فيعطيه كما يريد، فكونوا من أهل النصيب
- سورة الفرقان، الآية ٢٣
- سورة الأحقاف، الآية ٢۰
- سورة الكهف، الآية ۱۰٥

