تفسير الميزان ج۲
62المكان المدلول عليه بقوله عند المسجد.
قوله تعالى: {فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الانتهاء الامتناع و الكف، و المراد به الانتهاء عن مطلق القتال عند المسجد الحرام دون الانتهاء عن مطلق القتال بطاعة الدين و قبول الإسلام فإن ذلك هو المراد بقوله ثانيا: {فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ} و أما هذا الانتهاء فهو قيد راجع إلى أقرب الجمل إليه و هو قوله: {وَ لاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ}، و على هذا فكل من الجملتين أعني قوله تعالى: {فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللَّهَ} و قوله تعالى: {فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ}، قيد لما يتصل به من الكلام من غير تكرار.
و في قوله تعالى: {فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وضع السبب موضع المسبب إعطاء لعلة الحكم، و المعنى فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم.
قوله تعالى: {وَ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلَّهِ}، تحديد لأمد القتال كما مر ذكره، و الفتنة في لسان هذه الآيات هو الشرك باتخاذ الأصنام كما كان يفعله و يكره عليه المشركون بمكة، و يدل عليه قوله تعالى: {وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلَّهِ}، و الآية نظيرة لقوله تعالى: {وَ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} {وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ اَلْمَوْلى وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ}۱، و في الآية دلالة على وجوب الدعوة قبل القتال فإن قبلت فلا قتال و إن ردت فلا ولاية إلا لله و نعم المولى و نعم النصير، ينصر عباده المؤمنين، و من المعلوم أن القتال إنما هو ليكون الدين لله، و لا معنى لقتال هذا شأنه و غايته إلا عن دعوة إلى الدين الحق و هو الدين الذي يستقر على التوحيد.
و يظهر من هذا الذي ذكرناه أن هذه الآية ليست بمنسوخة بقوله تعالى: {قَاتِلُوا اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لاَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاَ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صَاغِرُونَ}٢ بناء على أن دينهم لله سبحانه و تعالى، و ذلك أن الآية أعني قوله تعالى: {وَ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} خاصة بالمشركين غير شاملة لأهل الكتاب، فالمراد، بكون الدين لله سبحانه و تعالى هو أن لا يعبد الأصنام و يقر بالتوحيد، و أهل الكتاب مقرون به، و إن كان ذلك كفرا منهم بالله بحسب الحقيقة كما قال تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لاَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاَ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ} لكن الإسلام قنع منهم
- سورة الأنفال، الآية ٤۰
- سورة التوبة، الآية ٣۰

