تفسير الميزان ج۲
46خصوصياته، و أما قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ} فلا يدل على سبق حكم تحريمي بل على مجرد تحقق الحلية كما في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ}۱ إذ من المعلوم أن صيد البحر لم يكن محرما على المحرمين قبل نزول الآية، و كذا قوله تعالى: {عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}، إنما يعني به أنهم كانوا يخونون بحسب زعمهم و حسبانهم ذلك خيانة و معصية، و لذا قال: {تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} و لم يقل: تختانون الله كما قال: {لاَ تَخُونُوا اَللَّهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}٢، مع احتمال أن يراد بالاختيان النقص، و المعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظوظها من المشتهيات من نكاح و غيره، و كذا قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفَا عَنْكُمْ}، غير صريح في كون النكاح معصية محرمة هذا.
و فيه ما عرفت: أن ذلك خلاف ظاهر الآية فإن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ}، و قوله: {كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} و قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفَا عَنْكُمْ}، و إن لم تكن صريحة في النسخ غير أن لها كمال الظهور في ذلك، مضافا إلى قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} إلخ، إذ لو لم يكن هناك إلا جواز مستمر قبل نزول الآية و بعدها لم يكن لهذا التعبير وجه ظاهر، و أما عدم اشتمال آيات الصوم السابقة على هذه الآية على حكم التحريم فلا ينافي كون الآية ناسخة فإنها لم تبين سائر أحكام الصوم أيضا مثل حرمة النكاح و الأكل و الشرب في نهار الصيام، و من المعلوم أن رسول الله كان قد بينه للمسلمين قبل نزول هذه الآية فلعله كان قد بين هذا الحكم فيما بينه من الأحكام، و الآية تنسخ ما بينه الرسول و إن لم تشتمل كلامه تعالى على ذلك.
فإن قلت: قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} يدل على سبب تشريع جواز الرفث فلا بد أن لا يعم الناسخ و المنسوخ لبشاعة أن يعلل النسخ بما يعم الناسخ و المنسوخ معا و إن قلنا: إن هذه التعليلات الواقعة في موارد الأحكام حكم و مصالح لا علل، و لا يلزم في الحكمة أن تكون جامعة و مانعة كالعلل فلو كان الرفث محرما قبل نزول الآية ثم نسخ بالآية المحللة لم يصلح تعليل نسخ التحريم بأن الرجال لباس للنساء و هن لباس لهم.
قلت: أولا إنه منقوض بتقييد قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ} بقوله: {لَيْلَةَ اَلصِّيَامِ} مع أن
- سورة المائدة، الآية ٩٦
- سورة الأنفال، الآية ٢۷

