تفسير الميزان ج۲
365الغايات، و المعنى أنا فعلنا بك ما فعلنا لنبين لك كذا و كذا و لنجعلك آية للناس فبين أن الغرض الإلهي لم يكن في ذلك منحصرا في بيان الأمر له نفسه بل هناك غاية أخرى و هي جعله آية للناس، فالغرض من قوله: {و اُنْظُرْ إِلى الْعِظامِ} إلخ بيان الأمر له فقط و من إماتته و إحيائه بيان الأمر له و جعله آية للناس، و لذلك قدم قوله{و لِنجْعلك} إلخ على قوله: {و اُنْظُرْ إِلى الْعِظامِ} إلخ.
و مما بينا يظهر وجه تكرار قوله انظر، ثلاث مرات في الآية، فلكل واحد من الموارد الثلاث غرض خاص به لا يشاركه فيه غيره.
و كان في إماتته و إحيائه و بيان ذلك له بيان ما يجده الميت من نفسه إذا أحياه الله ليوم البعث كما قال تعالى: {و يوْم تقُومُ السّاعةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُون ما لبِثُوا غيْر ساعةٍ كذلِك كانُوا يُؤْفكُون و قال الّذِين أُوتُوا الْعِلْم و الْإِيمان لقدْ لبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللّهِ إِلى يوْمِ الْبعْثِ فهذا يوْمُ الْبعْثِ و لكِنّكُمْ كُنْتُمْ لا تعْلمُون}۱.
ثم بين الله له الجهة الثانية التي يشتمل عليه قوله: {أنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ} و هو: أنه كيف يعود الأجزاء إلى صورتها بعد كل هذه التغيرات و التحولات الطارئة عليها و استلفت نظره إلى العظام فقال: {و اُنْظُرْ إِلى الْعِظامِ كيْف نُنْشِزُها} و الإنشاز الإنماء، و ظاهر الآية أن المراد بالعظام عظام الحمار إذ لو كانت عظام أهل القرية لم تكن الآية منحصرة فيه كما هو ظاهر قوله: {و لِنجْعلك آيةً} بل شاركه فيه الموتى الذين أحياهم الله تعالى!
و من الغريب ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالعظام العظام التي في الأبدان الحية فإنها في نمائها و اكتسائها باللحم من آيات البعث، فإن الذي أعطاها الرشد و النماء بالحياة لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير، و قد احتج الله على البعث بمثلها و هو الأرض الميتة التي يحييها الله بالإنبات، و هذا كما ترى تكلف من غير موجب.
و قد تبين من جميع ما مر أن جميع ما تشتمل عليه الآية من قوله: {فأماتهُ اللّهُ} إلى آخر الآية جواب واحد غير مكرر لقوله: {أنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ}.
(بيان)
قوله تعالى: {فلمّا تبيّن لهُ قال أعْلمُ أنّ اللّه على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ}، رجوع منه بعد التبين إلى علمه الذي كان معه قبل التبين، كأنه (عليه السلام) لما خطر بباله الخاطر الذي
- سورة الروم، الآية ٥٦

