تفسير الميزان ج۲
364الوقتين، و قد كان موته في الطرف المقدم من النهار و بعثه في الطرف المؤخر منه و لو كان بالعكس من ذلك لقال: لبثت يوما من غير ترديد، فرد الله سبحانه عليه و قال: {بلْ لبِثْت مِائة عامٍ}، فرأى من نفسه أنه شاهد مائة سنة كيوم أو بعض يوم، فكان فيه جواب ما استعظمه من طول المكث.
ثم استشهد تعالى على قوله: {بلْ لبِثْت مِائة عامٍ} بقوله: {فانْظُرْ إِلى طعامِك و شرابِك لمْ يتسنّهْ و اُنْظُرْ إِلى حِمارِك}! و ذلك: أن قوله: {لبِثْتُ يوْماً أوْ بعْض يوْمٍ} يدل على أنه لم يحس بشيء من طول المدة و قصره، و إنما استدل على ما ذكره بما شاهد من حال النهار من شمس أو ظل و نحوهما، فلما أجيب بقوله تعالى: {بلْ لبِثْت مِائة عامٍ} كان الجواب في مظنة أن يرتاب فيه من جهة ما كان يشاهد نفسه و لم يتغير شيء من هيئة بدنه، و الإنسان إذا مات و مضى عليه مائة سنة على طولها تغير لا محالة بدنه عما هو عليه من النضارة و الطراوة و كان ترابا و عظاما رميمة، فدفع الله تعالى هذا الذي يمكن أن يخطر بباله بأمره أن ينظر إلى طعامه و شرابه لم يتغير شيء منهما عما كان عليه و أن ينظر إلى الحمار و قد صار عظاما رميمة، فحال الحمار يدل على طول مدة المكث و حال الطعام و الشراب يدل على إمكان أن يبقى طول هذه المدة على حال واحد من غير أن يتغير شيء من هيئته عما هي عليه.
و من هنا يظهر أن الحمار أيضا قد أميت و كان رميما و كان السكوت عن ذكر إماتته معه لما عليه القرآن من الأدب البارع.
و بالجملة تم عند ذلك البيان الإلهي: أن استعظامه طول المدة قد كان في غير محله حيث أخذ الله منه الاعتراف بأن مائة سنة - مدة لبثه - كيوم أو بعض يوم كما يأخذ اعتراف أهل الجمع يوم القيامة بمثل ما اعترف به، فبين له أن تخلل الزمان بين الإماتة و الإحياء بالطول و القصر لا يؤثر في قدرته الحاكمة على كل شيء، فليست قدرة مادية زمانية حتى يتخلف حالها بعروض تغيرات أقل أو أزيد على المحل، فيكون إحياء الموتى القديمة أصعب عليه من إحياء الموتى الجديدة، بل البعيد عنده كالقريب من غير فرق كما قال تعالى: {إِنّهُمْ يروْنهُ بعِيداً و نراهُ قرِيباً}۱ و قال تعالى: {و ما أمْرُ السّاعةِ إِلاّ كلمْحِ الْبصرِ}٢.
ثم قال تعالى: {و لِنجْعلك آيةً لِلنّاسِ}، عطف الغاية يدل على أن هناك غيرها من
- سورة المعارج، الآية ٧
- سورة النحل، الآية ٧٧

