تفسير الميزان ج۲
363لأمره، بل نبيا مكلما فإن ظاهر قوله: {أعْلمُ أنّ اللّه}، أنه بعد تبين الأمر له رجع إلى ما لم يزل يعلمه من قدرة الله المطلقة، و ظاهر قوله تعالى: {ثُمّ بعثهُ قال كمْ لبِثْت}، إنه كان مأنوسا بالوحي و التكليم، و أن هذا لم يكن أول وحي يوحى إليه و إلا كان حق الكلام أن يقال: فلما بعثه قال إلخ أو ما يشبهه كقوله تعالى في موسى (عليه السلام): {فلمّا أتاها نُودِي يا مُوسى إِنِّي أنا ربُّك}۱، و قوله تعالى فيه أيضا: {فلمّا أتاها نُودِي مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأيْمنِ}٢.
و كيف كان فقد كان (عليه السلام) خرج من داره قاصدا مكانا بعيدا عن قريته التي كان بها، و الدليل عليه خروجه مع حمار يركبه، و حمله طعاما و شرابا يتغذى بهما، فلما سار إلى ما كان يقصده مر بالقرية التي ذكر الله تعالى أنها كانت خاوية على عروشها، و لم يكن قاصدا نفس القرية، و إنما مر بها مرورا ثم وقف معتبرا بما يشاهده من أمر القرية الخربة التي كان قد أبيد أهلها و شملتهم نازلة الموت و عظامهم الرميمة بمرأى و منظر منه (عليه السلام)، فإنه يشير إلى الموتى بقوله: {أنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ}، و لو كان مراده بذلك عمران نفس القرية بعد خرابها و الإشارة إلى نفس القرية لكان حق الكلام أن يقال: أنى يعمر هذه الله. على أن القرية الخربة ليس من المترقب عمرانها بعد خرابها، و لا أن عمرانها بعد الخراب مما يستعظم عادة، و لو كانت الأموات المشار إليهم مقبورين و قد اعتبر بمقابرهم لكان من اللازم ذكره و الصفح عن ذكر نفس القرية على ما يليق بأبلغ الكلام.
ثم إنه تعمق في الاعتبار فهاله ما شاهده منها فاستعظم طول مدة مكثها مع ما يصاحبه من تحولها من حال إلى حال، و تطورها من صورة إلى صورة بحيث يصير الأصل نسيا منسيا، و عند ذلك قال: {أنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ}، و قد كان هذا الكلام ينحل إلى جهتين: إحداهما: استعظام طول المدة و الإحياء مع ذلك، و الثانية: استعظام رجوع الأجزاء إلى صورتها الأولى الفانية بعد عروض هذه التغيرات غير المحصورة، فبين الله له الأمر من الجهتين جميعا: أما من الجهة الأولى فبإماتته ثم إحيائه و سؤاله و أما من الجهة الثانية فبإحياء العظام بمنظر و مرأى منه.
{فأماتهُ اللّهُ مِائة عامٍ ثُمّ بعثهُ}، و قد كان الإماتة و الإحياء في وقتين مختلفين من النهار كما مر ذكره {قال كمْ لبِثْت قال لبِثْتُ يوْماً أوْ بعْض يوْمٍ} نظرا إلى اختلاف
- سورة طه، الآية ١٢
- سورة القصص، الآية ٣٠

