تفسير الميزان ج۲
361و لما ذكرناه من النكتة ترى أنه تعالى يذكر أمر الإحياء و الإماتة في غالب الموارد من كلامه بما لا يخلو من الاستهانة و الاستصغار، قال تعالى: {و هُو الّذِي يبْدؤُا الْخلْق ثُمّ يُعِيدُهُ و هُو أهْونُ عليْهِ و لهُ الْمثلُ الْأعْلى فِي السّماواتِ و الْأرْضِ و هُو الْعزِيزُ الْحكِيمُ}۱، و قال تعالى: {قال ربِّ أنّى يكُونُ لِي غُلامٌ} - إلى قوله: - {قال ربُّك هُو عليّ هيِّنٌ و قدْ خلقْتُك مِنْ قبْلُ و لمْ تكُ شيْئاً}٢.
قوله تعالى: {قال أنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ}، أي أنى يحيي الله أهل هذه القرية ففيه مجاز كما في قوله تعالى: {و سْئلِ الْقرْية} يوسف - ٨٢.
و إنما قال هذا القول استعظاما للأمر و لقدرة الله سبحانه من غير استبعاد يؤدي إلى الإنكار أو ينشأ منه، و الدليل على ذلك قوله على ما حكى الله تعالى عنه في آخر القصة: {أعْلمُ أنّ اللّه على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ} و لم يقل: الآن كما في ما يماثله من قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: {الْآن حصْحص الْحقُّ}٣، و سيجيء توضيحه قريبا.
على أن الرجل نبي مكلم و آية مبعوثة إلى الناس و الأنبياء معصومون حاشاهم عن الشك و الارتياب في البعث الذي هو أحد أصول الدين.
قوله تعالى: {فأماتهُ اللّهُ مِائة عامٍ ثُمّ بعثهُ}، ظاهره توفيه بقبض روحه و إبقاؤه على هذا الحال مائة عام ثم إحياؤه برد روحه إليه.
و قد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالموت هو الحال المسمى عند الأطباء بالسبات و هو أن يفقد الموجود الحي الحس و الشعور مع بقاء أصل الحياة مدة من الزمان، أياما أو شهورا أو سنين، كما أنه الظاهر من قصة أصحاب الكهف و رقودهم ثلاثمائة و تسع سنين ثم بعثهم عن الرقدة و احتجاجه تعالى به على البعث فالقصة تشبه القصة.
قال: و الذي وجد من موارد اتفاقه لا يزيد على سنين معدودة فسبات مائة سنة أمر غير مألوف و خارق للعادة لكن القادر على توفي الإنسان بالسبات زمانا كعدة سنين قادر على إلقاء السبات مائة سنة، و لا يشترط عندنا في التسليم بما تواتر به النص من آيات الله تعالى و أخذها على ظاهرها إلا أن تكون من الممكنات دون المستحيلات، فقد احتج الله بهذا السبات و رجوع الحس و الشعور إليه ثانيا بعد سلبه مائة سنة على إمكان رجوع الحياة إلى الأموات بعد سلبها عنهم ألوفا من السنين، هذا ملخص ما ذكره.
- سورة الروم، الآية ٢٧
- سورة مريم، الآية ٩
- سورة يوسف، الآية ٥١

