تفسير الميزان ج۲
358تعالى: {و الّذِين جاهدُوا فِينا لنهْدِينّهُمْ سُبُلنا و إِنّ اللّه لمع الْمُحْسِنِين}۱، و قال تعالى: {و الْعاقِبةُ لِلتّقْوى}٢.
و الآيات القرآنية في هذه المعاني كثيرة على اختلافها في مضامينها المتفرقة، و من أجمعها و أتمها بيانا فيه قوله تعالى: {أنْزل مِن السّماءِ ماءً فسالتْ أوْدِيةٌ بِقدرِها فاحْتمل السّيْلُ زبداً رابِياً و مِمّا يُوقِدُون عليْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاء حِلْيةٍ أوْ متاعٍ زبدٌ مِثْلُهُ كذلِك يضْرِبُ اللّهُ الْحقّ و الْباطِل فأمّا الزّبدُ فيذْهبُ جُفاءً و أمّا ما ينْفعُ النّاس فيمْكُثُ فِي الْأرْضِ كذلِك يضْرِبُ اللّهُ الْأمْثال}٣.
و قد مرت الإشارة إلى أن العقل يؤيده، فإن ذلك لازم كلية قانون العلية و المعلولية الجارية بين أجزاء العالم و إن التجربة القطعية الحاصلة من تكرر الحس تشهد به، فما منا من أحد إلا و في ذكره أخبار محفوظة من عاقبة أمر الظالمين و انقطاع دابرهم.
(بيان )
قوله تعالى: {أوْ كالّذِي مرّ على قرْيةٍ و هِي خاوِيةٌ على عُرُوشِها}، الخاوية هي الخالية يقال: خوت الدار تخوي خواء إذا خلت، و العروش جمع العرش و هو ما يعمل مثل السقف للكرم قائما على أعمدة، قال تعالى: {جنّاتٍ معْرُوشاتٍ و غيْر معْرُوشاتٍ}٤، و من هنا أطلق على سقف البيت العرش، لكن بينهما فرقا، فإن السقف هو ما يقوم من السطح على الجدران و العرش هو السقف مع الأركان التي يعتمد عليها كهيئة عرش الكرم، و لذا صح أن يقال في الديار إنها خالية على عروشها و لا يصح أن يقال: خالية على سقفها.
و قد ذكر المفسرون وجوها في توجيه العطف في قوله تعالى: {أوْ كالّذِي}، فقيل: إنه عطف على قوله في الآية السابقة: {الّذِي حاجّ إِبْراهِيم}، و الكاف اسمية، و المعنى أو هل رأيت مثل الذي مر على قرية إلخ، و قد جيء بهذا الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد، و قيل: بل الكاف زائدة، و المعنى: أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية إلخ، و قيل: إنه عطف محمول على المعنى، و المعنى: أ لم تر كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية، و قيل: إنه من كلام إبراهيم جوابا عن دعوى الخصم أنه يحيي و يميت، و التقدير: و إن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مر على قرية إلخ فهذه وجوه ذكروه في الآية لتوجيه العطف لكن الجميع كما ترى.
- سورة العنكبوت، الآية ٦٩
- سورة طه، الآية ١٣٢
- سورة الرعد، الآية ١٧
- سورة الأنعام، الآية ١٤١

