تفسير الميزان ج۲
357و الأمور غير التكوينية من الاعتبارات الاجتماعية و غيرها على هذا الوصف أيضا من حيث إنها نتائج الفطرة المتكئة على التكوين، فالشئون الاجتماعية و المقامات التي فيه و الأفعال التي تصدر عنها كل منها مرتبط بآثار و غايات لا تتولد منه إلا تلك الآثار و الغايات و لا تتولد هي إلا منه، فالتربية الصالحة لا تتحقق إلا من مرب صالح و المربي الفاسد لا يترتب على تربيته إلا الأثر الفاسد (ذاك الفساد المكمون في نفسه) و إن تظاهر بالصلاح و لازم الطريق المستقيم في تربيته، و ضرب على الفساد المطوي في نفسه بمائة ستر و احتجب دونه بألف حجاب، و كذلك الحاكم المتغلب في حكومته، و القاضي الواثب على مسند القضاء بغير لياقة في قضائه، و كل من تقلد منصبا اجتماعيا من غير طريقه المشروع، و كذلك كل فعل باطل بوجه من وجوه البطلان إذا تشبه بالحق و حل بذلك محل الفعل الحق، و القول الباطل إذا وضع موضع القول الحق كالخيانة موضع الأمانة و الإساءة موضع الإحسان و المكر موضع النصح و الكذب موضع الصدق فكل ذلك سيظهر أثرها و يقطع دابرها و إن اشتبه أمرها أياما، و تلبس بلباس الصدق و الحق أحيانا، سنة الله التي جرت في خلقه و لن تجد لسنة الله تحويلا و لن تجد لسنة الله تبديلا.
فالحق لا يموت و لا يتزلزل أثره، و إن خفي على إدراك المدركين أويقات، و الباطل لا يثبت و لا يبقى أثره، و إن كان ربما اشتبه أمره و وباله، قال تعالى: {لِيُحِقّ الْحقّ و يُبْطِل الْباطِل}۱، من تحقيق الحق تثبيت أثره، و من إبطال الباطل ظهور فساده و انتزاع ما تلبس به من لباس الحق بالتشبه و التمويه، و قال تعالى: {أ لمْ تر كيْف ضرب اللّهُ مثلاً كلِمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيِّبةٍ أصْلُها ثابِتٌ و فرْعُها فِي السّماءِ تُؤْتِي أُكُلها كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ ربِّها و يضْرِبُ اللّهُ الْأمْثال لِلنّاسِ لعلّهُمْ يتذكّرُون و مثلُ كلِمةٍ خبِيثةٍ كشجرةٍ خبِيثةٍ اُجْتُثّتْ مِنْ فوْقِ الْأرْضِ ما لها مِنْ قرارٍ يُثبِّتُ اللّهُ الّذِين آمنُوا بِالْقوْلِ الثّابِتِ فِي الْحياةِ الدُّنْيا و فِي الْآخِرةِ و يُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِين و يفْعلُ اللّهُ ما يشاءُ}٢، و قد أطلق الظالمين فالله يضلهم في شأنهم، و لا شأن لهم إلا أنهم يريدون آثار الحق من غير طريقها أعني: من طريق الباطل كما قال تعالى - حكاية عن يوسف الصديق: {قال معاذ اللّهِ إِنّهُ ربِّي أحْسن مثْواي إِنّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُون}٣، فالظالم لا يفلح في ظلمه، و لا أن ظلمه يهديه إلى ما يهتدي إليه المحسن بإحسانه و المتقي بتقواه، قال
- سورة الأنفال، الآية ٨
- سورة إبراهيم، الآية ٢٧
- سورة يوسف، الآية ٢٣

