تفسير الميزان ج۲
355كان الأمر كما تقول: إنك ربي و من شأن الرب أن يتصرف في تدبير أمر هذا النظام الكوني فالله سبحانه يتصرف في الشمس بإتيانها من المشرق فتصرف أنت بإتيانها من المغرب حتى يتضح أنك رب كما أن الله رب كل شيء أو أنك الرب فوق الأرباب فبهت الذي كفر، و إنما فرع الحجة على ما تقدمها لئلا يظن أن الحجة الأولى تمت لنمرود و أنتجت ما ادعاه، و لذلك أيضا قال: {فإِنّ اللّه} و لم يقل: فإن ربي لأن الخصم استفاد من قوله: ربي سوءا و طبقه على نفسه بالمغالطة فأتى (عليه السلام) ثانيا بلفظة الجلالة ليكون مصونا عن مثل التطبيق السابق! و قد مر بيان أن نمرود ما كان يسعه أن يتفوه في مقابل هذه الحجة بشيء دون أن يبهت فيسكت.
قوله تعالى: {و اللّهُ لا يهْدِي الْقوْم الظّالِمِين}، ظاهر السياق أنه تعليل لقوله {فبُهِت الّذِي كفر} فبهته هو عدم هداية الله سبحانه إياه لا كفره، و بعبارة أخرى معناه أن الله لم يهده فبهت لذلك و لو هداه لغلب على إبراهيم في الحجة لا أنه لم يهده فكفر لذلك و ذلك لأن العناية في المقام متوجهة إلى محاجته إبراهيم (عليه السلام) لا إلى كفره و هو ظاهر.
و من هنا يظهر: أن في الوصف إشعارا بالعلية أعني: أن السبب لعدم هداية الله الظالمين هو ظلمهم كما هو كذلك في سائر موارد هذه الجملة من كلامه تعالى كقول: {و منْ أظْلمُ مِمّنِ اِفْترى على اللّهِ الْكذِب و هُو يُدْعى إِلى الْإِسْلامِ و اللّهُ لا يهْدِي الْقوْم الظّالِمِين}۱، و قوله: {مثلُ الّذِين حُمِّلُوا التّوْراة ثُمّ لمْ يحْمِلُوها كمثلِ الْحِمارِ يحْمِلُ أسْفاراً بِئْس مثلُ الْقوْمِ الّذِين كذّبُوا بِآياتِ اللّهِ و اللّهُ لا يهْدِي الْقوْم الظّالِمِين}٢، و نظير الظلم الفسق في قوله تعالى: {فلمّا زاغُوا أزاغ اللّهُ قُلُوبهُمْ و اللّهُ لا يهْدِي الْقوْم الْفاسِقِين}٣.
و بالجملة الظلم و هو الانحراف عن صراط العدل و العدول عما ينبغي من العمل إلى غير ما ينبغي موجب لعدم الاهتداء إلى الغاية المقصودة، و مؤد إلى الخيبة و الخسران بالأخرة، و هذه من الحقائق الناصعة التي ذكرها القرآن الشريف و أكد القول فيها في آيات كثيرة.
- سورة الصف، الآية ٧
- سورة الجمعة، الآية ٥
- سورة الصف، الآية ٥

