تفسير الميزان ج۲
353اللّهُ الْمُلْك}، يعود إلى إبراهيم (عليه السلام)، و المراد بالملك ملك إبراهيم كما قال تعالى: {أمْ يحْسُدُون النّاس على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فضْلِهِ فقدْ آتيْنا آل إِبْراهِيم الْكِتاب و الْحِكْمة و آتيْناهُمْ مُلْكاً عظِيماً}۱، لا ملك نمرود لكونه ملك جور و معصية لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه.
ففيه أولا: أن القرآن ينسب هذا الملك و ما في معناه كثيرا إليه تعالى كقوله حكاية عن مؤمن آل فرعون: {يا قوْمِ لكُمُ الْمُلْكُ الْيوْم ظاهِرِين فِي الْأرْضِ}٢، قوله تعالى حكاية عن فرعون و قد أمضاه بالحكاية: {يا قوْمِ أ ليْس لِي مُلْكُ مِصْر}٣، و قد قال تعالى: {لهُ الْمُلْكُ}٤، فقصر كل الملك لنفسه فما من ملك إلا و هو منه تعالى، و قال تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام): {ربّنا إِنّك آتيْت فِرْعوْن و ملأهُ زِينةً}٥، و قال تعالى في قارون: {و آتيْناهُ مِن الْكُنُوزِ ما إِنّ مفاتِحهُ لتنُوأُ بِالْعُصْبةِ أُولِي الْقُوّةِ}٦، و قال تعالى خطابا لنبيه: {ذرْنِي و منْ خلقْتُ وحِيداً و جعلْتُ لهُ مالاً ممْدُوداً} - إلى أن قال -: {و مهّدْتُ لهُ تمْهِيداً ثُمّ يطْمعُ أنْ أزِيد}۷، إلى غير ذلك.
و ثانيا: أن ذلك لا يلائم ظاهر الآية فإن ظاهرها أن نمرود كان ينازع إبراهيم في توحيده و إيمانه لا أنه كان ينازعه و يحاجه في ملكه فإن ملك الظاهر كان لنمرود، و ما كان يرى لإبراهيم ملكا حتى يشاجره فيه.
و ثالثا: أن لكل شيء نسبة إلى الله سبحانه و الملك من جملة الأشياء و لا محذور في نسبته إليه تعالى و قد مر تفصيل بيانه.
قوله تعالى: {قال إِبْراهِيمُ ربِّي الّذِي يُحْيِي و يُمِيتُ}، الحياة و الموت و إن كانا يوجدان في غير جنس الحيوان أيضا كالنبات، و قد صدقه القرآن كما مر بيانه في تفسير آية الكرسي، لكن مراده (عليه السلام) منهما إما خصوص الحياة و الممات الحيوانيين أو الأعم الشامل له لإطلاق اللفظ، و الدليل على ذلك قول نمرود: {أنا أُحْيِي و أُمِيتُ}، فإن هذا الذي ادعاه لنفسه لم يكن من قبيل إحياء النبات بالحرث و الغرس مثلا، و لا إحياء الحيوان بالسفاد و التوليد مثلا، فإن ذلك و أشباهه كان لا يختص به بل يوجد في غيره
- سورة النساء، الآية ٥٤
- سورة المؤمن، الآية ٢٩
- سورة الزخرف، الآية ٥١
- سورة التغابن، الآية ١
- سورة يونس، الآية ٨٨
- سورة القصص، الآية ٧٦
- سورة المدثر، الآية ١٥

