تفسير الميزان ج۲
352قوله تعالى: {أنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْك}، ظاهر السياق: أنه من قبيل قول القائل: أساء إلي فلان لأني أحسنت إليه يريد: أن إحساني إليه كان يستدعي أن يحسن إلي لكنه بدل الإحسان من الإساءة فأساء إلي، و قولهم: و اتق شر من أحسنت إليه، قال الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر *** و حسن فعل كما يجزى سنمار فالجملة أعني قوله: {أنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْك} بتقدير لام التعليل و هي من قبيل وضع الشيء موضع ضده للشكوى و الاستعداء و نحوه، فإن عدوان نمرود و طغيانه في هذه المحاجة كان ينبغي أن يعلل بضد إنعام الله عليه بالملك، لكن لما لم يتحقق من الله في حقه إلا الإحسان إليه و إيتاؤه الملك فوضع في موضع العلة فدل على كفرانه لنعمة الله فهو بوجه كقوله تعالى: {فالْتقطهُ آلُ فِرْعوْن لِيكُون لهُمْ عدُوًّا و حزناً}۱ فهذه نكتة في ذكر إيتائه الملك.
و هناك نكتة أخرى و هي: الدلالة على رداءة دعواه من رأس، و ذلك أنه إنما كان يدعي هذه الدعوى لملك آتاه الله تعالى من غير أن يملكه لنفسه، فهو إنما كان نمرود الملك ذا السلطة و السطوة بنعمة من ربه، و أما هو في نفسه فلم يكن إلا واحدا من سواد الناس لا يعرف له وصف، و لا يشار إليه بنعت، و لهذا لم يذكر اسمه و عبر عنه بقوله: {الّذِي حاجّ إِبْراهِيم فِي ربِّهِ}، دلالة على حقارة شخصه و خسة أمره.
و أما نسبة ملكه إلى إيتاء الله تعالى فقد مر في المباحث السابقة: أنه لا محذور فيه، فإن الملك و هو نوع سلطنة منبسطة على الأمة كسائر أنواع السلطنة و القدرة نعمة من الله و فضل يؤتيه من يشاء، و قد أودع في فطرة الإنسان معرفته، و الرغبة فيه، فإن وضعه في موضعه كان نعمة و سعادة، قال تعالى: {و اِبْتغِ فِيما آتاك اللّهُ الدّار الْآخِرة}٢، و إن عدا طوره و انحرف به عن الصراط كان في حقه نقمة و بوارا، قال تعالى: {أ لمْ تر إِلى الّذِين بدّلُوا نِعْمت اللّهِ كُفْراً و أحلُّوا قوْمهُمْ دار الْبوارِ}٣، و قد مر بيان أن لكل نسبة إليه تعالى على ما يليق بساحة قدسه تعالى و تقدس من جهة الحسن الذي فيه دون جهة القبح و المساءة.
و من هنا يظهر سقوط ما ذكره بعض المفسرين: أن الضمير في قوله {أنْ آتاهُ
- سورة القصص، الآية ٨
- سورة القصص، الآية ٧٧
- سورة إبراهيم، الآية ٢٨

