تفسير الميزان ج۲
346ذلك أن هذه الأمور التي أخبر الله سبحانه بإيجادها و فعلها عند الطاعة و المعصية إنما هي أمور حقيقية واقعية من غير تجوز غير أنها لا تفارق أعمالنا و عقائدنا بل هي لوازمها التي في باطنها، و قد مر الكلام في ذلك، و هذا لا ينافي كون قوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِن الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ}، و قوله تعالى: {يُخْرِجُونهُمْ مِن النُّورِ إِلى الظُّلُماتِ}، كنايتين عن هداية الله سبحانه و إضلال الطاغوت، لما تقدم في بحث الكلام أن النزاع في مقامين: أحدهما كون النور و الظلمة و ما شابههما ذا حقيقة في هذه النشأة أو مجرد تشبيه لا حقيقة له، و ثانيهما: أنه على تقدير تسليم أن لها حقائق و واقعيات هل استعمال اللفظ كالنور مثلا في الحقيقة التي هي حقيقة الهداية حقيقة أو مجاز؟ و على أي حال فالجملتان أعني: قوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِن الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ}، و قوله تعالى: {يُخْرِجُونهُمْ مِن النُّورِ إِلى الظُّلُماتِ}، كنايتان عن الهداية و الإضلال و إلا لزم أن يكون لكل من المؤمن و الكافر نور و ظلمة معا، فإن لازم إخراج المؤمن من الظلمة إلى النور أن يكون قبل الإيمان في ظلمة و بالعكس في الكافر، فعامة المؤمنين و الكفار و هم الذين عاشوا مؤمنين فقط أو عاشوا كفارا فقط إذا بلغوا مقام التكليف فإن آمنوا خرجوا من الظلمات إلى النور، و إن كفروا خرجوا من النور إلى الظلمات، فهم قبل ذلك في نور و ظلمة معا و هذا كما ترى.
لكن يمكن أن يقال: إن الإنسان بحسب خلقته على نور الفطرة، هو نور إجمالي يقبل التفصيل، و أما بالنسبة إلى المعارف الحقة و الأعمال الصالحة تفصيلا فهو في ظلمة بعد لعدم تبين أمره، و النور و الظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان و لا يمتنع اجتماعهما، و المؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف و الطاعات تفصيلا، و الكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر و المعاصي التفصيلية، و الإتيان بالنور مفردا و بالظلمات جمعا في قوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِن الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ}، و قوله تعالى: {يُخْرِجُونهُمْ مِن النُّورِ إِلى الظُّلُماتِ}، للإشارة إلى أن الحق واحد لا اختلاف فيه كما أن الباطل متشتت مختلف لا وحدة فيه، قال تعالى: {و أنّ هذا صِراطِي مُسْتقِيماً فاتّبِعُوهُ و لا تتّبِعُوا السُّبُل فتفرّق بِكُمْ}۱.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج أبو داود و النسائي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و النحاس في
- سورة الأنعام، الآية ١٥٣

