تفسير الميزان ج۲
344كما ذكره بعضهم.
و من الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها أعني قوله: {قدْ تبيّن الرُّشْدُ مِن الْغيِّ}، فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم، فإن الحكم باق ببقاء سببه، و معلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف، فإن قوله: {فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين حيْثُ وجدْتُمُوهُمْ} مثلا، أو قوله: {و قاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ} (الآية) لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا الظهور.
و بعبارة أخرى الآية تعلل قوله: {لا إِكْراه فِي الدِّينِ} بظهور الحق: و هو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال و بعد نزوله، فهو ثابت على كل حال، فهو غير منسوخ.
قوله تعالى: {فمنْ يكْفُرْ بِالطّاغُوتِ و يُؤْمِنْ بِاللّهِ فقدِ اِسْتمْسك بِالْعُرْوةِ الْوُثْقى} إلخ، الطاغوت هو الطغيان و التجاوز عن الحد و لا يخلو عن مبالغة في المعنى كالملكوت و الجبروت، و يستعمل فيما يحصل به الطغيان كأقسام المعبودات من دون الله كالأصنام و الشياطين و الجن و أئمة الضلال من الإنسان و كل متبوع لا يرضى الله سبحانه باتباعه، و يستوي فيه المذكر و المؤنث و المفرد و التثنية و الجمع.
و إنما قدم الكفر على الإيمان في قوله: {فمنْ يكْفُرْ بِالطّاغُوتِ و يُؤْمِنْ بِاللّهِ}، ليوافق الترتيب الذي يناسبه الفعل الواقع في الجزاء أعني الاستمساك بالعروة الوثقى، لأن الاستمساك بشيء إنما يكون بترك كل شيء و الأخذ بالعروة، فهناك ترك ثم أخذ، فقدم الكفر و هو ترك على الإيمان و هو أخذ ليوافق ذلك، و الاستمساك هو الأخذ و الإمساك بشدة، و العروة: ما يؤخذ به من الشيء كعروة الدلو و عروة الإناء، و العروة هي كل ما له أصل من النبات و ما لا يسقط ورقه، و أصل الباب التعلق يقال: عراه و اعتراه أي تعلق به.
و الكلام أعني قوله: {فقدِ اِسْتمْسك بِالْعُرْوةِ الْوُثْقى}، موضوع على الاستعارة للدلالة على أن الإيمان بالنسبة إلى السعادة بمنزلة عروة الإناء بالنسبة إلى الإناء و ما فيه، فكما لا يكون الأخذ أخذا مطمئنا حتى يقبض على العروة كذلك السعادة الحقيقية لا يستقر ـ

