تفسير الميزان ج۲
340هو الكرسي على ما يستظهر.
و ربما لوح إليه أيضا قوله تعالى فيها: {يعْلمُ ما بيْن أيْدِيهِمْ و ما خلْفهُمْ}، حيث جعل المعلوم: {ما بيْن أيْدِيهِمْ و ما خلْفهُمْ}، و هما أعني ما بين الأيدي و ما هو خلف غير مجتمع الوجود في هذا العالم المادي، فهناك مقام يجتمع فيه جميع المتفرقات الزمانية و نحوها، و ليست هذه الوجودات وجودات غير متناهية الكمال غير محدودة و لا مقدرة و إلا لم يصح الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى: {و لا يُحِيطُون بِشيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاء}، فلا محالة هو مقام يمكن لهم الإحاطة ببعض ما فيه، فهو مرحلة العلم بالمحدودات و المقدرات من حيث هي محدودة مقدرة و الله أعلم.
و في التوحيد عن حنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العرش و الكرسي فقال (عليه السلام): إن للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب و صنع في القرآن صفة على حدة، فقوله: {ربُّ الْعرْشِ الْعظِيمِ} يقول: رب الملك العظيم، و قوله: {الرّحْمنُ على الْعرْشِ اِسْتوى}، يقول: على الملك احتوى، و هذا علم الكيفوفية في الأشياء، ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي، لأنهما بابان من أكبر أبواب الغيوب، و هما جميعا غيبان، و هما في الغيب مقرونان، لأن الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الأشياء كلها، و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و المشية و صفة الإرادة و علم الألفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء، فهما في العلم بابان مقرونان، لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي، و علمه أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك قال: {ربُّ الْعرْشِ الْعظِيمِ}، أي صفته أعظم من صفة الكرسي، و هما في ذلك مقرونان: قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي، قال (عليه السلام): إنه صار جارها لأن علم الكيفوفية فيه و فيه، الظاهر من أبواب البداء و إنيتها و حد رتقها و فتقها، فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الظرف، و بمثل صرف العلماء، و ليستدلوا على صدق دعواهما - لأنه يختص برحمته من يشاء و هو القوي العزيز.
أقول: قوله (عليه السلام): لأن الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب، قد عرفت الوجه فيه إجمالا، فمرتبة العلم المقدر المحدود أقرب إلى عالمنا الجسماني المقدر المحدود

