تفسير الميزان ج۲
339و جل: {وسِع كُرْسِيُّهُ السّماواتِ و الْأرْض}، قال: علمه.
و فيه أيضا عنه (عليه السلام): في الآية: {السّماواتِ و الْأرْض} و ما بينهما في الكرسي، و العرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره.
أقول: و يظهر من الروايتين: أن الكرسي من مراتب علمه تعالى كما مر استظهاره، و في معناهما روايات أخرى.
و كذا يظهر منهما و مما سيجيء: أن في الوجود مرتبة من العلم غير محدودة أعني أن فوق هذا العالم الذي نحن من أجزائها عالما آخر موجوداتها أمور غير محدودة في وجودها بهذه الحدود الجسمانية، و التعينات الوجودية التي لوجوداتنا، و هي في عين أنها غير محدودة معلومة لله سبحانه أي أن وجودها عين العلم، كما أن الموجودات المحدودة التي في الوجود معلومة لله سبحانه في مرتبة وجودها أي أن وجودها نفس علمه تعالى بها و حضورها عنده، و لعلنا نوفق لبيان هذا العلم المسمى بالعلم الفعلي فيما سيأتي من قوله تعالى: {و ما يعْزُبُ عنْ ربِّك مِنْ مِثْقالِ ذرّةٍ فِي الْأرْضِ و لا فِي السّماءِ}۱.
و ما ذكرناه من علم غير محدود هو الذي يرشد إليه قوله (عليه السلام) في الرواية، و العرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره، و من المعلوم أن عدم التقدير و التحديد ليس من حيث كثرة معلومات هذا العلم عددا، لاستحالة وجود عدد غير متناه، و كل عدد يدخل الوجود فهو متناه، لكونه أقل مما يزيد عليه بواحد، و لو كان عدم تناهي العلم أعني العرش لعدم تناهي معلوماته كثرة لكان الكرسي بعض العرش لكونه أيضا علما و إن كان محدودا، بل عدم التناهي و التقدير إنما هو من جهة كمال الوجود أي إن الحدود و القيود الوجودية يوجب التكثر و التميز و التمايز بين موجودات عالمنا المادي، فتوجب انقسام الأنواع بالأصناف و الأفراد، و الأفراد بالحالات، و الإضافات غير موجودة فينطبق على قوله تعالى: {و إِنْ مِنْ شيْءٍ إِلاّ عِنْدنا خزائِنُهُ و ما نُنزِّلُهُ إِلاّ بِقدرٍ معْلُومٍ}٢، و سيجيء تمام الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
و هذه الموجودات كما أنها معلومة بعلم غير مقدر أي موجودة في ظرف العلم وجودا غير مقدر كذلك هي معلومة بحدودها، موجودة في ظرف العلم بأقدارها و هذا
- سورة يونس، الآية ٦١
- سورة الحجر، الآية ٢١

