تفسير الميزان ج۲
335اِسْتوى إِلى السّماءِ و هِي دُخانٌ فقال لها و لِلْأرْضِ اِئْتِيا طوْعاً أوْ كرْهاً قالتا أتيْنا طائِعِين}۱، إلى غير ذلك من الآيات.
و بالجملة قوله: {و لا يُحِيطُون بِشيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاء}، يفيد معنى تمام التدبير و كماله، فإن من كمال التدبير أن يجهل المدبر (بالفتح) بما يريده المدبر (بالكسر) من شأنه و مستقبل أمره لئلا يحتال في التخلص عما يكرهه من أمر التدبير فيفسد على المدبر (بالكسر) تدبيره، كجماعة مسيرين على خلاف مشتهاهم و مرادهم فيبالغ في التعمية عليهم حتى لا يدروا من أين سيروا، و في أين نزلوا، و إلى أين يقصد بهم.
فيبين تعالى بهذه الجملة أن التدبير له و بعلمه بروابط الأشياء التي هو الجاعل لها، و بقية الأسباب و العلل و خاصة أولوا العلم منها و إن كان لها تصرف و علم لكن ما عندهم من العلم الذي ينتفعون به و يستفيدون منه فإنما هو من علمه تعالى و بمشيته و إرادته، فهو من شئون العلم الإلهي، و ما تصرفوا به فهو من شئون التصرف الإلهي و أنحاء تدبيره، فلا يسع لمقدم منهم أن يقدم على خلاف ما يريده الله سبحانه من التدبير الجاري في مملكته إلا و هو بعض التدبير.
و في قوله تعالى: {و لا يُحِيطُون بِشيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاء}، على تقدير أن يراد بالعلم المعنى المصدري أو معنى اسم المصدر لا المعلوم دلالة على أن العلم كله لله و لا يوجد من العلم عند عالم إلا و هو شيء من علمه تعالى، و نظيره ما يظهر من كلامه تعالى من اختصاص القدرة و العزة و الحياة بالله تعالى، قال تعالى: {و لوْ يرى الّذِين ظلمُوا إِذْ يروْن الْعذاب أنّ الْقُوّة لِلّهِ جمِيعاً}٢، و قال تعالى: {أ يبْتغُون عِنْدهُمُ الْعِزّة فإِنّ الْعِزّة لِلّهِ جمِيعاً}٣، و قال تعالى: {هُو الْحيُّ لا إِله إِلاّ هُو}٤، و يمكن أن يستدل على ما ذكرناه من انحصار العلم بالله تعالى بقوله: {إِنّهُ هُو الْعلِيمُ الْحكِيمُ}٥، و قوله تعالى: {و اللّهُ يعْلمُ و أنْتُمْ لا تعْلمُون}٦، إلى غير ذلك من الآيات، و في تبديل العلم بالإحاطة في قوله: و لا يحيطون بشيء من علمه، لطف ظاهر.
قوله تعالى: {وسِع كُرْسِيُّهُ السّماواتِ و الْأرْض}، الكرسي معروف و سمي به لتراكم بعض أجزائه بالصناعة على بعض، و ربما كني بالكرسي عن الملك فيقال كرسي
- سورة فصلت، الآية ١١
- سورة البقرة، الآية ١٦٥
- سورة النساء، الآية ١٣٩
- سورة المؤمن، الآية ٦٥
- سورة يوسف، الآية ٨٣
- سورة آل عمران، الآية ٦٦

