تفسير الميزان ج۲
331{أ فمنْ هُو قائِمٌ على كُلِّ نفْسٍ بِما كسبتْ}۱، و قال تعالى و هو أشمل من الآية السابقة -: {شهِد اللّهُ أنّهُ لا إِله إِلاّ هُو و الْملائِكةُ و أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِله إِلاّ هُو الْعزِيزُ الْحكِيمُ}٢، فأفاد أنه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطي و لا يمنع شيئا في الوجود (و ليس الوجود إلا الإعطاء و المنع) إلا بالعدل بإعطاء كل شيء ما يستحقه ثم بين أن هذا القيام بالعدل مقتضى أسميه الكريمين: العزيز الحكيم فبعزته يقوم على كل شيء و بحكمته يعدل فيه.
و بالجملة لما كان تعالى هو المبدئ الذي يبتدي منه وجود كل شيء و أوصافه و آثاره لا مبدأ سواه إلا و هو ينتهي إليه، فهو القائم على كل شيء من كل جهة بحقيقة القيام الذي لا يشوبه فتور و خلل، و ليس ذلك لغيره قط إلا بإذنه بوجه، فليس له تعالى إلا القيام من غير ضعف و فتور، و ليس لغيره إلا أن يقوم به، فهناك حصران: حصر القيام عليه، و حصره على القيام، و أول الحصرين هو الذي يدل عليه كون القيوم في الآية خبرا بعد خبر لله (الله القيوم)، و الحصر الثاني هو الذي تدل عليه الجملة التالية أعني قوله: {لا تأْخُذُهُ سِنةٌ و لا نوْمٌ}.
و قد ظهر من هذا البيان أن اسم القيوم أم الأسماء الإضافية الثابتة له تعالى جميعا و هي الأسماء التي تدل على معان خارجة عن الذات بوجه كالخالق و الرازق و المبدئ و المعيد و المحيي و المميت و الغفور و الرحيم و الودود و غيرها.
(بيان)
قوله تعالى: {لا تأْخُذُهُ سِنةٌ و لا نوْمٌ}، السنة بكسر السين الفتور الذي يأخذ الحيوان في أول النوم، و النوم هو الركود الذي يأخذ حواس الحيوان لعوامل طبيعية تحدث في بدنه، و الرؤيا غيره و هي ما يشاهده النائم في منامه.
و قد أورد على قوله: {سِنةٌ و لا نوْمٌ} إنه على خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة فإن المقام مقام الترقي، و الترقي في الإثبات إنما هو من الأضعف إلى الأقوى كقولنا: فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين، و فلان يجود بالمئات بل بالألوف و في النفي بالعكس كما نقول: لا يقدر فلان على حمل عشرين و لا عشرة، و لا يجود بالألوف و لا بالمئات، فكان ينبغي أن يقال: لا تأخذه نوم و لا سنة.
و الجواب: أن الترتيب المذكور لا يدور مدار الإثبات و النفي دائما كما يقال:
- سورة الرعد، الآية ٣٣
- سورة آل عمران، الآية ١٨

