تفسير الميزان ج۲
326و كل مجموع منها، و مجموع العالم الإمكاني كلام الله سبحانه يتكلم به فيظهر المكنون من كمال أسمائه و صفاته، فكما أنه تعالى خالق للعالم و العالم مخلوقه كذلك هو تعالى متكلم بالعالم مظهر به خبايا الأسماء و الصفات و العالم كلامه.
بل الدقة في معنى الدلالة على المعنى يوجب القول بكون الذات بنفسه دالا على نفسه فإن الدلالة بالآخرة شأن وجودي ليس و لا يكون لشيء بنحو الأصالة إلا لله و بالله سبحانه، فكل شيء دلالته على بارئه و موجده فرع دلالة ما منه على نفسه و دلالته لله بالحقيقة، فالله سبحانه هو الدال على نفس هذا الشيء الدال، و على دلالته لغيره. فهو سبحانه هو الدال على ذاته بذاته و هو الدال على جميع مصنوعاته فيصدق على مرتبة الذات الكلام كما يصدق على مرتبة الفعل الكلام بالتقريب المتقدم، فقد تحصل بهذا البيان أن من الكلام ما هو صفة الذات و هو الذات من حيث دلالته على الذات، و منه ما هو صفة الفعل، و هو الخلق و الإيجاد من حيث دلالة الموجود على ما عند موجده من الكمال.
أقول: ما نقلنا عنهم على تقدير صحته لا يساعد عليه اللفظ اللغوي، فإن الذي أثبته الكتاب و السنة هو أمثال قوله تعالى: {مِنْهُمْ منْ كلّم اللّهُ} و قوله: {و كلّم اللّهُ مُوسى تكْلِيماً}. و قوله: {قال اللّهُ يا عِيسى}، و قوله: {و قُلْنا يا آدمُ}، و قوله: {إِنّا أوْحيْنا إِليْك}، و قوله: {نبّأنِي الْعلِيمُ الْخبِيرُ}، و من المعلوم أن الكلام و القول بمعنى عين الذات لا ينطبق على شيء من هذه الموارد.
و اعلم أن بحث الكلام من أقدم الأبحاث العلمية التي اشتغلت به الباحثون من المسلمين (و بذلك سمي علم الكلام به) و هي أن كلام الله سبحانه هل هو قديم أو حادث؟
ذهبت الأشاعرة إلى القدم غير أنهم فسروا الكلام بأن المراد بالكلام هو المعاني الذهنية التي يدل عليه الكلام اللفظي، و تلك المعاني علوم الله سبحانه قائمة بذاته قديمة بقدمها، و أما الكلام اللفظي و هو الأصوات و النغمات فهي حادثة زائدة على الذات بالضرورة.
و ذهبت المعتزلة إلى الحدوث غير أنهم فسروا الكلام بالألفاظ الدالة على المعنى

