تفسير الميزان ج۲
322أنه ابن مريم لا أب له، قال تعالى: {و جعلْناها و اِبْنها آيةً لِلْعالمِين}۱، فمجموع الابن و الأم آية بينة إلهية و فضيلة اختصاصية أخرى.
قوله تعالى: {و لوْ شاء اللّهُ ما اِقْتتل الّذِين مِنْ بعْدِهِمْ مِنْ بعْدِ ما جاءتْهُمُ الْبيِّناتُ}، العدول إلى الغيبة ثانيا لأن المقام مقام إظهار أن المشية و الإرادة الربانية غير مغلوبة، و القدرة غير باطلة، فجميع الحوادث على طرفي إثباتها و نفيها غير خارجة عن السلطنة الإلهية، و بالجملة وصف الألوهية هي التي تنافي تقيد القدرة و توجب إطلاق تعلقها بطرفي الإيجاب و السلب فمست حاجة المقام إلى إظهار هذه الصفة المتعالية أعني الألوهية للذكر فقيل: و لو شاء الله ما اقتتل، و لم يقل: و لو شئنا ما اقتتل، و هذا هو الوجه أيضا في قوله تعالى في ذيل الآية: {و لوْ شاء اللّهُ ما اِقْتتلُوا}، و قوله: {و لكِنّ اللّه يفْعلُ ما يُرِيدُ}، و هو الوجه أيضا في العدول عن الإضمار إلى الإظهار.
قوله تعالى: {و لكِنِ اِخْتلفُوا فمِنْهُمْ منْ آمن و مِنْهُمْ منْ كفر}، نسب الاختلاف إليهم لا إلى نفسه لأنه تعالى ذكر في مواضع من كلامه: أن الاختلاف بالإيمان و الكفر و سائر المعارف الأصلية المبينة في كتب الله النازلة على أنبيائه إنما حدث بين الناس بالبغي، و حاشا أن ينتسب إليه سبحانه بغي أو ظلم.
قوله تعالى: {و لوْ شاء اللّهُ ما اِقْتتلُوا و لكِنّ اللّه يفْعلُ ما يُرِيدُ}، أي و لو شاء الله لم يؤثر الاختلاف في استدعاء القتال و لكن الله يفعل ما يريد و قد أراد أن يؤثر هذا الاختلاف في سوقه الناس إلى الاقتتال جريا على سنة الأسباب.
و محصل معنى الآية و الله العالم: أن الرسل التي أرسلوا إلى الناس عباد لله مقربون عند ربهم، مرتفع عن الناس أفقهم و هم مفضل بعضهم على بعض على ما لهم من الأصل الواحد و المقام المشترك، فهذا حال الرسل و قد أتوا للناس بآيات بينات أظهروا بها الحق كل الإظهار و بينوا طريق الهداية أتم البيان، و كان لازمه أن لا ينساق الناس بعدهم إلا إلى الوحدة و الألفة و المحبة في دين الله من غير اختلاف و قتال لكن كان هناك سبب آخر أعقم هذا السبب، و هو الاختلاف عن بغي منهم و انشعابهم إلى مؤمن و كافر، ثم التفرق بعد ذلك في سائر شئون الحياة و السعادة، و لو شاء الله لأعقم هذا السبب أعني الاختلاف فلم يوجب الاقتتال و ما اقتتلوا، و لكن لم يشأ و أجرى هذا
- سورة الأنبياء، الآية ٩١

