تفسير الميزان ج۲
316الوضعية، فإنه تعالى أجل شأنا و أنزه ساحة أن يتجهز بالتجهيزات الجسمانية، أو يستكمل بالدعاوي الوهمية الاعتبارية و قد قال تعالى: {ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ}۱.
لكنه سبحانه فيما مر من قوله: {و ما كان لِبشرٍ أنْ يُكلِّمهُ اللّهُ إِلاّ وحْياً أوْ مِنْ وراءِ حِجابٍ}٢، يثبت لشأنه و فعله المذكور حقيقة التكليم و إن نفي عنه المعنى العادي المعهود بين الناس، فالكلام بحده الاعتباري المعهود مسلوب عن الكلام الإلهي لكنه بخواصه و آثاره ثابت له، و مع بقاء الأثر و الغاية يبقى المحدود في الأمور الاعتبارية الدائرة في اجتماع الإنسان نظير الذرع و الميزان و المكيال و السراج و السلاح و نحو ذلك، و قد تقدم بيانه.
فقد: ظهر أن ما يكشف به الله سبحانه عن معنى مقصود إفهامه للنبي كلام حقيقة، و هو سبحانه و إن بين لنا إجمالا أنه كلام حقيقة على غير الصفة التي نعدها من الكلام الذي نستعمله، لكنه تعالى لم يبين لنا و لا نحن تنبهنا من كلامه أن هذا الذي يسميه كلاما يكلم به أنبياءه ما حقيقته؟ و كيف يتحقق؟ غير أنه على أي حال لا يسلب عنه خواص الكلام المعهود عندنا و يثبت عليه آثاره و هي تفهيم المعاني المقصودة و إلقاؤها في ذهن السامع.
و على هذا فالكلام منه تعالى كالإحياء و الإماتة و الرزق و الهداية و التوبة و غيرها فعل من أفعاله تعالى يحتاج في تحققه إلى تمامية الذات قبله لا كمثل العلم و القدرة و الحياة مما لا تمام للذات الواجبة بدونه من الصفات التي هي عين الذات، كيف و لا فرق بينه و بين سائر أفعاله التي تصدر عنه بعد فرض تمام الذات! و ربما قبل الانطباق على الزمان قال تعالى: {و لمّا جاء مُوسى لِمِيقاتِنا و كلّمهُ ربُّهُ قال ربِّ أرِنِي أنْظُرْ إِليْك قال لنْ ترانِي}٣، و قال تعالى {و قدْ خلقْتُك مِنْ قبْلُ و لمْ تكُ شيْئاً}٤، و قال تعالى: {فقال لهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمّ أحْياهُمْ}٥، و قال تعالى: {نحْنُ نرْزُقُكُمْ و إِيّاهُمْ}٦، و قال تعالى: {الّذِي أعْطى كُلّ شيْءٍ خلْقهُ ثُمّ هدى}۷، و قال تعالى: {ثُمّ تاب عليْهِمْ لِيتُوبُوا}۸، فالآيات كما ترى تفيد زمانية الكلام كما تفيد زمانية غيره من الأفعال كالخلق و الإماتة و الإحياء و الرزق و الهداية و التوبة على حد سواء.
- سورة الشورى، الآية ١١
- سورة الشورى، الآية ٥١
- سورة الأعراف، الآية ١٤٣
- سورة مريم، الآية ٩
- سورة البقرة، الآية ٢٤٣
- سورة الأنعام، الآية ١٥١
- سورة طه، الآية ٥٠
- سورة التوبة، الآية ١١٨

