تفسير الميزان ج۲
313فأتمّهُنّ قال إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً}۱، و قوله تعالى فيه {و اِجْعلْ لِي لِسان صِدْقٍ فِي الْآخِرِين}٢، و قوله تعالى في إدريس (عليه السلام) {و رفعْناهُ مكاناً علِيًّا}٣، و قوله تعالى في يوسف: {نرْفعُ درجاتٍ منْ نشاءُ}٤ و قوله في داود (عليه السلام): {و آتيْنا داوُد زبُوراً}٥، إلى غير ذلك من مختصات الأنبياء.
و كذا قيل: إن المراد بالرسل في الآية هم الذين اختصوا بالذكر في سورة البقرة كإبراهيم و موسى و عيسى و عزير و أرميا و شموئيل و داود و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و قد ذكر موسى و عيسى من بينهم و بقي الباقون، فالبعض المرفوع الدرجة هو محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) بالنسبة إلى الباقين، و قيل: لما كان المراد بالرسل في الآية هم الذين ذكرهم الله قبيل الآية في القصة و هم موسى و داود و شموئيل و محمد، و قد ذكر ما اختص به موسى من التكليم ثم ذكر رفع الدرجات و ليس له إلا محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و يمكن أن يوجه التصريح باسم عيسى على هذا القول: بأن يقال: إن الوجه فيه عدم سبق ذكره (عليه السلام) فيمن ذكر من الأنبياء في هذه الآيات.
و الذي ينبغي أن يقال: إنه لا شك أن ما رفع الله به درجة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مقصود في الآية غير أنه لا وجه لتخصيص الآية به، و لا بمن ذكر في هذه الآيات أعني أرميا و شموئيل و داود و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم)، و لا بمن ذكر في هذه السورة من الأنبياء فإن كل ذلك تحكم من غير وجه ظاهر، بل الظاهر من إطلاق الآية شمول الرسل لجميع الرسل (عليه السلام) و شمول البعض في قوله تعالى: {و رفع بعْضهُمْ درجاتٍ}، لكل من أنعم الله عليه منهم برفع الدرجة.
و ما قيل: إن الأسلوب يقتضي كون المراد به محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) لأن السياق في بيان العبرة للأمم التي تقتتل بعد رسلهم مع كون دينهم دينا واحدا، و الموجود منهم اليهود و النصارى و المسلمون فالمناسب تخصيص رسلهم بالذكر، و قد ذكر منهم موسى و عيسى بالتفصيل في الآية، فتعين أن يكون البعض الباقي محمدا (صلى الله عليه وآله و سلم).
فيه: أن القرآن يقضي بكون جميع الرسل رسلا إلى جميع الناس، قال تعالى: {لا نُفرِّقُ بيْن أحدٍ مِنْهُمْ}٦، فإتيان الرسل جميعا بالآيات البينات كان
- سورة البقرة، الآية ١٢٤
- سورة الشعراء، الآية ٨٤
- سورة مريم، الآية ٥٧
- سورة يوسف، الآية ٧٦
- سورة النساء، الآية ١٦٣
- سورة البقرة، الآية ١٣٦

