تفسير الميزان ج۲
312و قد اختلف المفسرون في المراد من الجملتين من هو؟ فقيل المراد بمن كلم الله: موسى (عليه السلام) لقوله تعالى: {و كلّم اللّهُ مُوسى تكْلِيماً}۱ و غيره من الآيات، و قيل المراد به رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) لما كلمه الله تعالى ليلة المعراج حيث قربه إليه تقريبا سقطت به الوسائط جملة فكلمه بالوحي من غير واسطة، قال تعالى: {ثُمّ دنا فتدلّى فكان قاب قوْسيْنِ أوْ أدْنى فأوْحى إِلى عبْدِهِ ما أوْحى}٢، و قيل المراد به الوحي مطلقا لأن الوحي تكليم خفي، و قد سماه الله تعالى تكليما حيث قال: {و ما كان لِبشرٍ أنْ يُكلِّمهُ اللّهُ إِلاّ وحْياً أوْ مِنْ وراءِ حِجابٍ}٣، و هذا الوجه لا يلائم من التبعيضية التي في قوله تعالى: {مِنْهُمْ منْ كلّم اللّهُ}.
و الأوفق بالمقام كون المراد به موسى (عليه السلام) لأن تكليمه هو المعهود من كلامه تعالى النازل قبل هذه السورة المدنية، قال تعالى: {و لمّا جاء مُوسى لِمِيقاتِنا و كلّمهُ ربُّهُ} إلى أن قال: {قال يا مُوسى: إِنِّي اِصْطفيْتُك على النّاسِ بِرِسالاتِي و بِكلامِي}٤ و هي آية مكية فقد كان كون موسى مكلما معهودا عند نزول هذه الآية.
و كذا في قوله: {و رفع بعْضهُمْ درجاتٍ}، قيل المراد به محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) لأن الله رفع درجته في تفضيله على جميع الرسل ببعثته إلى كافة الخلق كما قال تعالى: {و ما أرْسلْناك إِلاّ كافّةً لِلنّاسِ}٥، و بجعله رحمة للعالمين كما قال تعالى: {و ما أرْسلْناك إِلاّ رحْمةً لِلْعالمِين}٦ و بجعله خاتما للنبوة كما قال تعالى: {و لكِنْ رسُول اللّهِ و خاتم النّبِيِّين}۷، و بإيتائه قرآنا مهيمنا على جميع الكتب و تبيانا لكل شيء و محفوظا من تحريف المبطلين، و معجزا باقيا ببقاء الدنيا كما قال تعالى: {و أنْزلْنا إِليْك الْكِتاب بِالْحقِّ مُصدِّقاً لِما بيْن يديْهِ مِن الْكِتابِ و مُهيْمِناً عليْهِ}۸، و قال تعالى: {و نزّلْنا عليْك الْكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شيْءٍ}٩، و قال تعالى: {إِنّا نحْنُ نزّلْنا الذِّكْر و إِنّا لهُ لحافِظُون}۱۰ و قال تعالى: {قُلْ لئِنِ اِجْتمعتِ الْإِنْسُ و الْجِنُّ على أنْ يأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ لا يأْتُون بِمِثْلِهِ و لوْ كان بعْضُهُمْ لِبعْضٍ ظهِيراً}۱۱، و باختصاصه بدين قيم يقوم على جميع مصالح الدنيا و الآخرة، قال تعالى: {فأقِمْ وجْهك لِلدِّينِ الْقيِّمِ}۱٢، و قيل المراد به ما رفع الله من درجة غير واحد من الأنبياء كما يدل عليه قوله تعالى في نوح: {سلامٌ على نُوحٍ فِي الْعالمِين}۱٣، و قوله تعالى في إبراهيم (عليه السلام): {و إِذِ اِبْتلى إِبْراهِيم ربُّهُ بِكلِماتٍ
- سورة النساء، الآية ١٦٤
- سورة النجم، الآية ١٠
- سورة الآية الشورى، الآية ٥١
- سورة الأعراف، الآية ١٤٣
- سورة السبأ، الآية ٢٨
- سورة الأنبياء، الآية ١٠٧
- سورة الأحزاب، الآية ٤٠
- سورة المائدة، الآية ٤٨
- سورة النحل، الآية ٨٩
- سورة الحجر، الآية ٦
- سورة الإسراء، الآية ٨٨
- سورة الروم، الآية ٤٣
- سورة الصافات، الآية ٧٩

