تفسير الميزان ج۲
311آخر: {إِنّ الدِّين عِنْد اللّهِ الْإِسْلامُ و ما اِخْتلف الّذِين أُوتُوا الْكِتاب إِلاّ مِنْ بعْدِ ما جاءهُمُ الْعِلْمُ بغْياً بيْنهُمْ}۱، و قد مر بيانه في قوله تعالى: {كان النّاسُ أُمّةً واحِدةً}٢. و لو شاء الله لمنع من هذا القتال الواقع بعدهم منعا تكوينيا، لكنهم اختلفوا فيما بينهم بغيا و قد أجرى الله في سنة الإيجاد سببية و مسببية بين الأشياء و الاختلاف من علل التنازع، و لو شاء الله تعالى لمنع من هذا القتال منعا تشريعيا أو لم يأمر به؟ و لكنه تعالى أمر به و أراد بأمره البلاء و الامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب و ليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن الكاذبين.
و بالجملة القتال بين أمم الأنبياء بعدهم لا مناص عنه لمكان الاختلاف عن بغي، و الرسالة و بيناتها إنما تدحض الباطل و تزيل الشبه. و أما البغي و اللجاج و ما يشابههما من الرذائل فلا سبيل إلى تصفية الأرض منها، و إصلاح النوع فيها إلا القتال، فإن التجارب يعطي أن الحجة لم تنجح وحدها قط إلا إذا شفع بالسيف، و لذلك كان كلما اقتضت المصلحة أمر الله سبحانه بالقيام للحق و الجهاد في سبيل الله كما في عهد إبراهيم و بني إسرائيل، و بعد بعثة رسول الله ص، و قد مر بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير آيات القتال سابقا.
قوله تعالى: {مِنْهُمْ منْ كلّم اللّهُ و رفع بعْضهُمْ درجاتٍ}، في الجملتين التفات من الحضور إلى الغيبة، و الوجه فيه و الله أعلم - أن الصفات الفاضلة على قسمين: منها ما هو بحسب نفس مدلول الاسم يدل على الفضيلة كالآيات البينات، و كالتأييد بروح القدس كما ذكر لعيسى (عليه السلام) فإن هذه الخصال بنفسها غالية سامية، و منها: ما ليس كذلك، و إنما يدل على الفضيلة و يستلزم المنقبة بواسطة الإضافة كالتكليم، فإنه لا يعد في نفسه منقبة و فضيلة إلا أن يضاف إلى شيء فيكتسب منه البهاء و الفضل كإضافته إلى الله عز اسمه، و كذا رفع الدرجات لا فضيلة فيه بنفسه إلا أن يقال: رفع الله الدرجات مثلا فينسب الرفع إلى الله، إذا عرفت هذا علمت: أن هذا هو الوجه في الالتفات من الحضور إلى الغيبة في اثنتين من الجمل الثلاث حيث قال تعالى: {مِنْهُمْ منْ كلّم اللّهُ و رفع بعْضهُمْ درجاتٍ و آتيْنا عِيسى اِبْن مرْيم الْبيِّناتِ}، فحول وجه الكلام من التكلم إلى الغيبة في الجملتين الأوليين حتى إذا استوفى الغرض عاد إلى وجه الكلام الأول و هو التكلم فقال تعالى: {و آتيْنا عِيسى اِبْن مرْيم}.
- سورة آل عمران، الآية ١٩
- سورة البقرة، الآية ٢١٣

