تفسير الميزان ج۲
309(بيان)
سياق هاتين الآيتين لا يبعد كل البعد من سياق الآيات السابقة التي كانت تأمر بالجهاد و تندب إلى الإنفاق ثم تقص قصة قتال طالوت ليعتبر به المؤمنون، و قد ختمت القصة بقوله تعالى: {و إِنّك لمِن الْمُرْسلِين} (الآية)، و افتتحت هاتان الآيتان بقوله: {تِلْك الرُّسُلُ فضّلْنا بعْضهُمْ على بعْضٍ}، ثم ترجع إلى شأن قتال أمم الأنبياء بعدهم، و قد قال في القصة السابقة أعني: قصة طالوت{أ لمْ تر إِلى الْملإِ مِنْ بنِي إِسْرائِيل مِنْ بعْدِ مُوسى}، فأتى بقوله: {مِنْ بعْدِ مُوسى}، قيدا، ثم ترجع إلى الدعوة إلى الإنفاق من قبل أن يأتي يوم، فهذا كله يؤيد أن يكون هاتان الآيتان ذيل الآيات السابقة، و الجميع نازلة معا.
و بالجملة الآية في مقام دفع ما ربما يتوهم: أن الرسالة و خاصة من حيث كونها مشفوعة بالآيات البينات الدالة على حقية الرسالة ينبغي أن يختم بها بلية القتال: إما من جهة أن الله سبحانه لما أراد هداية الناس إلى سعادتهم الدنيوية و الأخروية بإرسال الرسل و إيتاء الآيات البينات كان من الحري أن يصرفهم عن القتال بعد، و يجمع كلمتهم على الهداية فما هذه الحروب و المشاجرات بعد الأنبياء في أممهم و خاصة بعد انتشار دعوة الإسلام الذي يعد الاتحاد و الاتفاق من أركان أحكامه و أصول قوانينه؟ و إما من جهة أن إرسال الرسل و إيتاء بينات الآيات للدعوة إلى الحق لغرض الحصول على إيمان القلوب، و الإيمان من الصفات القلبية التي لا توجد في القلب عنوة و قهرا فما ذا يفيده القتال بعد استقرار النبوة؟ و هذا هو الإشكال الذي تقدم تقريره و الجواب عنه في الكلام على آيات القتال.
و الذي يجيب تعالى به: أن القتال معلول الاختلاف الذي بين الأمم إذ لو لا وجود الاختلاف لم ينجر أمر الجماعة إلى الاقتتال، فعلة الاقتتال الاختلاف الحاصل بينهم و لو شاء الله لم يوجد اختلاف فلم يكن اقتتال رأسا، و لو شاء لأعقم هذا السبب بعد وجوده لكن الله سبحانه يفعل ما يريد، و قد أراد جري الأمور على سنة الأسباب، فوجد الاختلاف فوجد القتال فهذا إجمال ما تفيده الآية.

