تفسير الميزان ج۲
308على أن القرآن ليس بكتاب تاريخ و لا أنه يريد في قصصه بيان التاريخ على حد ما يرومه كتاب التاريخ، و إنما هو كلام إلهي مفرغ في قالب الوحي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، و لذلك لا تراه يقص قصة بتمام أطرافها و جهات وقوعها، و إنما يأخذ من القصة نكات متفرقة يوجب الإمعان و التأمل فيها حصول الغاية من عبرة أو حكمة أو موعظة أو غيرها. كما هو مشهود في هذه القصة قصة طالوت و جالوت حيث يقول تعالى: {أ لمْ تر إِلى الْملإِ مِنْ بنِي إِسْرائِيل}، ثم يقول: {و قال لهُمْ نبِيُّهُمْ إِنّ اللّه قدْ بعث لكُمْ طالُوت ملِكاً} إلخ، ثم يقول: {و قال لهُمْ نبِيُّهُمْ: إِنّ آية مُلْكِهِ}، ثم يقول: {فلمّا فصل طالُوتُ} إلخ، ثم يقول {و لمّا برزُوا لِجالُوت}، و من المعلوم أن اتصال هذه الجمل بعضها إلى بعض في تمام الكلام يحتاج إلى قصة طويلة، و قد نبهناك بمثله فيما مر من قصة البقرة، و هو مطرد في جميع القصص المقتصة في القرآن، لا يختص بالذكر منها إلا مواضع الحاجة فيها: من عبرة و موعظة و حكمة أو سنة إلهية في الأيام الخالية و الأمم الدارجة، قال تعالى: {لقدْ كان فِي قصصِهِمْ عِبْرةٌ لِأُولِي الْألْبابِ}۱، و قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبيِّن لكُمْ و يهْدِيكُمْ سُنن الّذِين مِنْ قبْلِكُمْ}٢ و قال تعالى: {قدْ خلتْ مِنْ قبْلِكُمْ سُننٌ فسِيرُوا فِي الْأرْضِ فانْظُروا كيْف كان عاقِبةُ الْمُكذِّبِين هذا بيانٌ لِلنّاسِ و هُدىً و موْعِظةٌ لِلْمُتّقِين}٣ إلى غير ذلك من الآيات.
[سورة البقرة (٢): الآیات ٢٥٣ الی ٢٥٤]
{تِلْك الرُّسُلُ فضّلْنا بعْضهُمْ على بعْضٍ مِنْهُمْ منْ كلّم اللّهُ و رفع بعْضهُمْ درجاتٍ و آتيْنا عِيسى اِبْن مرْيم الْبيِّناتِ و أيّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ و لوْ شاء اللّهُ ما اِقْتتل الّذِين مِنْ بعْدِهِمْ مِنْ بعْدِ ما جاءتْهُمُ الْبيِّناتُ و لكِنِ اِخْتلفُوا فمِنْهُمْ منْ آمن و مِنْهُمْ منْ كفر و لوْ شاء اللّهُ ما اِقْتتلُوا و لكِنّ اللّه يفْعلُ ما يُرِيدُ ٢٥٣يا أيُّها الّذِين آمنُوا أنْفِقُوا مِمّا رزقْناكُمْ مِنْ قبْلِ أنْ يأْتِي يوْمٌ لا بيْعٌ فِيهِ و لا خُلّةٌ و لا شفاعةٌ و الْكافِرُون هُمُ الظّالِمُون ٢٥٤}
- سورة يوسف، الآية ١١١
- سورة النساء، الآية ٢٦
- سورة آل عمران، الآية ١٣٨

