تفسير الميزان ج۲
304أوْ متاعٍ زبدٌ مِثْلُهُ كذلِك يضْرِبُ اللّهُ الْحقّ و الْباطِل فأمّا الزّبدُ فيذْهبُ جُفاءً و أمّا ما ينْفعُ النّاس فيمْكُثُ فِي الْأرْضِ كذلِك يضْرِبُ اللّهُ الْأمْثال}۱ فهو يفيد أن سيول الحوادث و ميزان التنازع تقذف زبد الباطل الضار في الاجتماع و تدفعه و تبقى إبليز٢ الحق النافع الذي ينمو فيه العمران، و إبريز المصلحة التي يتحلى به الإنسان، انتهى.
أقول: أما إن قاعدة تنازع البقاء و كذا قاعدة الانتخاب الطبيعي (بالمعنى الذي مر بيانه) حق في الجملة، و أن القرآن يعتني بهما فلا كلام فيه، لكن هذين الصنفين الذين أوردهما من الآيات غير مسوقين لبيان شيء من القاعدتين، فإن الصنف الأول من الآيات مسوق لبيان أن الله سبحانه غير مغلوب في إرادته، و أن الحق و هو الذي يرتضيه الله من المعارف الدينية غير مغلوب، و أن حامله إذا حمله على الحق و الصدق لم يكن مغلوبا البتة، و على ذلك يدل قوله تعالى أولا: {بِأنّهُمْ ظُلِمُوا و إِنّ اللّه على نصْرِهِمْ لقدِيرٌ}، و قوله تعالى ثانيا: {الّذِين أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغيْرِ حقٍّ إِلاّ أنْ يقُولُوا ربُّنا اللّهُ}، فإن الجملتين في مقام بيان أن المؤمنين سيغلبون أعداءهم لا لمكان التنازع و بقاء الأمثل الأقوى، فإن الأمثل و الأقوى عند الطبيعة هو الفرد القوي في تجهيزه الطبيعي دون القوي من حيث الحقو الأمثل بحسب المعنى، بل سيغلبون لأنهم مظلومون ظلموا على قول الحق و الله سبحانه حق و ينصر الحق في نفسه، بمعنى أن الباطل لا يقدر على أن يدحض حجة الحق إذا تقابلا، و ينصر حامل الحق إذا كان صادقا في حمله كما ذكره الله بقوله: {و لينْصُرنّ اللّهُ منْ ينْصُرُهُ إِنّ اللّه لقوِيٌّ عزِيزٌ الّذِين إِنْ مكّنّاهُمْ فِي الْأرْضِ أقامُوا الصّلاة} إلخ، أي هم صادقون في قولهم الحق و حملهم إياه ثم ختم الكلام بقوله تعالى: و لله عاقبة الأمور، يشير به إلى عدة آيات تفيد أن الكون يسير في طريق كماله إلى الحق و الصدق و السعادة الحقيقية، و لا ريب أيضا في دلالة القرآن على أن الغلبة لله و لجنده البتة كما يدل عليه قوله: {كتب اللّهُ لأغْلِبنّ أنا و رُسُلِي}٣ و قوله تعالى: {و لقدْ سبقتْ كلِمتُنا لِعِبادِنا الْمُرْسلِين إِنّهُمْ لهُمُ الْمنْصُورُون و إِنّ جُنْدنا لهُمُ
- سورة الرعد، الآية ١٧
- الإبليز: الطين الذي يأتي به النيل في أيام الطغيان، و الإبريز الذهب الخالص المصفى و هما كلمتان معرفتان أصلهما آبليز أو آب ليس، و آب ريز.
- سورة المجادلة، الآية ٢١

