تفسير الميزان ج۲
291و هذه الآية كما ترى قريبة الانطباق على قوله تعالى: {هُو الّذِي أنْزل السّكِينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِين لِيزْدادُوا إِيماناً مع إِيمانِهِمْ و لِلّهِ جُنُودُ السّماواتِ و الْأرْضِ و كان اللّهُ علِيماً حكِيماً}۱ فالسكينة في هذه الآية تنطبق على الروح في الآية السابقة و ازدياد الإيمان على الإيمان في هذه على كتابة الإيمان في تلك، و يؤيد هذا التطبيق قوله تعالى في ذيل الآية: {و لِلّهِ جُنُودُ السّماواتِ و الْأرْضِ}، فإن القرآن يطلق الجند على مثل الملائكة و الروح.
و يقرب من هذه الآية سياقا قوله تعالى: {فأنْزل اللّهُ سكِينتهُ على رسُولِهِ و على الْمُؤْمِنِين و ألْزمهُمْ كلِمة التّقْوى و كانُوا أحقّ بِها و أهْلها}٢ و كذا قوله تعالى: {فأنْزل اللّهُ سكِينتهُ عليْهِ و أيّدهُ بِجُنُودٍ لمْ تروْها}٣.
و قد ظهر مما مر أنه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالى أن السكينة روح إلهي أو تستلزم روحا إلهيا من أمر الله تعالى يوجب سكينة القلب و استقرار النفس و ربط الجأش، و من المعلوم أن ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر و استعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب و عدم اضطرابه في الروح الإلهي، و بهذا المعنى ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات.
( بيان )
قوله تعالى: {و بقِيّةٌ مِمّا ترك آلُ مُوسى و آلُ هارُون تحْمِلُهُ الْملائِكةُ} إلخ، آل الرجل خاصته من أهله و يدخل فيهم نفسه إذا أطلق، فآل موسى و آل هارون هم موسى و هارون و خاصتهما من أهلهما، و قوله: {تحْمِلُهُ الْملائِكةُ}، حال عن التابوت، و في قوله تعالى: {إِنّ فِي ذلِك لآيةً لكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين}، كسياق صدر الآية دلالة على أنهم سألوا نبيهم آية على صدق ما أخبر به: {إِنّ اللّه قدْ بعث لكُمْ طالُوت ملِكاً}.
قوله تعالى: {فلمّا فصل طالُوتُ بِالْجُنُودِ قال إِنّ اللّه مُبْتلِيكُمْ بِنهرٍ} إلى قوله {مِنْهُمْ}، الفصل هاهنا مفارقة المكان كما في قوله تعالى: {و لمّا فصلتِ الْعِيرُ}٤ و ربما استعمل بمعنى القطع و هو إيجاد المفارقة بين الشيئين كما قال تعالى: {و هُو خيْرُ الْفاصِلِين}٥، فالكلمة مما يتعدى و لا يتعدى.
و الجند المجتمع الغليظ من كل شيء و سمي العسكر جندا لتراكم الأشخاص فيه و غلظتهم، و في جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد يعتنى به
- سورة الفتح، الآية ٤
- سورة الفتح، الآية ٢٦
- سورة التوبة، الآية ٤٠
- سورة يوسف، الآية ٩٤
- سورة الأنعام، الآية ٥٧

