تفسير الميزان ج۲
159الثاء، و المثل بفتح الميم و الثاء كالشبه، و الشبه و المراد به ما يمثل الشيء و يحضره و يشخصه عند السامع، و منه المثل بفتحتين، و هو الجملة أو القصة التي تفيد استحضار معنى مطلوب في ذهن السامع بنحو الاستعارة التمثيلية كما قال تعالى: {مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}۱، و منه أيضا المثل بمعنى الصفة كقوله تعالى: {اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثَالَ}٢، و إنما قالوا له (صلى الله عليه وآله و سلم): مجنون و ساحر و كذاب و نحو ذلك، و حيث إنه تعالى يبين المثل الذي ذكره بقوله: {مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسَاءُ وَ اَلضَّرَّاءُ} إلخ فالمراد به المعنى الأول.
قوله تعالى: {مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسَاءُ وَ اَلضَّرَّاءُ} إلى آخره لما اشتد شوق المخاطب ليفهم تفصيل الإجمال الذي دل عليه بقوله: {وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ}، بين ذلك بقوله: {مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسَاءُ وَ اَلضَّرَّاءُ} و البأساء هو الشدة المتوجهة إلى الإنسان في خارج نفسه كالمال و الجاه و الأهل و الأمن الذي يحتاج إليه في حياته، و الضراء هي الشدة التي تصيب الإنسان في نفسه كالجرح و القتل و المرض، و الزلزلة و الزلزال معروف و أصله من زل بمعنى عثر، كررت اللفظة للدلالة على التكرار كان الأرض مثلا تحدث لها بالزلزلة عثرة بعد عثرة، و هو كصر و صرصر، و صل و صلصل، و كب و كبكب، و الزلزال في الآية كناية عن الاضطراب و الإدهاش.
قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}، قرئ بنصب يقول، و الجملة على هذا في محل الغاية لما سبقها، و قرئ برفع يقول و الجملة على هذا لحكاية الحال الماضية، و المعنيان و إن كانا جميعا صحيحين لكن الثاني أنسب للسياق، فإن كون الجملة غاية يعلل بها قوله: {وَ زُلْزِلُوا} لا يناسب السياق كل المناسبة.
قوله تعالى: {مَتى نَصْرُ اَللَّهِ}، الظاهر أنه مقول قول الرسول و الذين آمنوا معه جميعا، و لا ضير في أن يتفوه الرسول بمثل هذا الكلام استدعاء و طلبا للنصر الذي وعد به الله سبحانه رسله و المؤمنين بهم كما قال تعالى: {وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ}٣، و قال تعالى: {كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي}٤، و قد قال تعالى أيضا: {حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}٥، و هو أشد لحنا من هذه الآية.
- سورة الجمعة، الآية ٥
- سورة الفرقان، الآية ٩
- سورة الصافات، الآية ۱۷٢
- سورة المجادلة، الآية ٢۱
- سورة يوسف، الآية ۱۱۰

