تفسير الميزان ج۲
103تعالى في الآية السابقة {فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
ثم إن من الضروري الثابت بالضرورة من الكتاب و السنة أن الله سبحانه و تعالى لا يوصف بصفة الأجسام، و لا ينعت بنعوت الممكنات مما يقضي بالحدوث، و يلازم الفقر و الحاجة و النقص، فقد قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}۱، و قال تعالى: {وَ اَللَّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ}٢، و قال تعالى: {اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}٣، إلى غير ذلك من الآيات، و هي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن، فما ورد من الآيات و ظاهرها إسناد شيء من الصفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها، و يفهم منها معنى من المعاني لا ينافي صفاته العليا و أسماءه الحسنى تبارك و تعالى، فالآيات المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه تعالى كقوله تعالى: {وَ جَاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}٤، و قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا}٥، و قوله تعالى: {فَأَتَى اَللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ اَلْقَوَاعِدِ}٦، كل ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدست أسماؤه كالإحاطة و نحوها و لو مجازا، و على هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى: {أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللَّهُ} الإحاطة بهم للقضاء في حقهم.
على أنا نجده سبحانه و تعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النسب و فعلا من الأفعال عن استقلال الأسباب و وساطة الأوساط فربما نسبها إلى نفسه و ربما نسبها إلى أمره كقوله تعالى: {اَللَّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ}۷، و قوله تعالى: {يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ}۸، و قوله تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}٩، فنسب التوفي تارة إلى نفسه، و تارة إلى الملائكة ثم قال تعالى: في أمر الملائكة: {بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}۱۰، و كذلك قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ}۱۱، و قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ}۱٢، و كما في هذه الآية: {أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمَامِ} (الآية)، و قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}۱٣.
و هذا يوجب صحة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى نظير: {جَاءَ رَبُّكَ}، و {يَأْتِيَهُمُ اَللَّهُ}، فالتقدير جاء أمر ربك و يأتيهم أمر الله.
- سورة الشورى، الآية ۱۱
- سورة الفاطر، الآية ۱٥
- سورة الزمر، الآية ٦٢
- سورة الفجر، الآية ٢٢
- سورة الحشر، الآية ٢
- سورة النحل، الآية ٢٦
- سورة الزمر، الآية ٤٢
- سورة السجدة، الآية ۱۱
- سورة الأنعام، الآية ٦۱
- سورة الأنبياء، الآية ٢۷
- سورة يونس، الآية ٩٣
- سورة المؤمن، الآية ۷۸
- سورة النحل، الآية ٣٣

